عز وجل تنزيل أحكامها لطفا وتيسيرا وتدرجا، فحث في الفترة المكية أولا على الأكل مما ذكر اسم الله عليه عند التذكية بقوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} الأنعام 119، ثم حرم عليهم ثانيا أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، ويعُمُّ ما ذُبح متروكَ التسمية وما مات حَتْفَ أنْفِه من غير قتل وهو الميتة وما قُتِل بسبع أو تَرَدٍّ أو غير ذلك فقال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} الأنعام 121، ثم أضاف في نفس المرحلة المكية بتفصيلٍ أكثرَ محرماتٍ أخرى مع ثبات تحريم متروك التسمية بقوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} الأنعام 145، وقوله عز وجل: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} النحل 115. فإنه سبحانه وتعالى قد استهل الآية الأولى من سورة المائدة بذكر ما أحل لهم من لحومها، وآذنهم بتَذَكُّرِ ما تُلِيَ وما يُتْلَى عليهم من محرماتِ بعضِها بقوله عز وجل: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} المائدة 1، ثم وضع في الآية الثانية قاعدة عامة مطلقة للتحريم مطبَّقة على بعض جزئياتها في أحكام الحج والعمرة بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} المائدة 2، ثم أكمل في الآية الثالثة عقب ذلك تشريع محرمات اللحوم مضافا إلى ما تُلِيَ من القرآن المكي سابقا من غير أن ينسخه، وذلك بقوله عز وجل:
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ}
أما {الْمَيْتَةُ} فهي كل ما مات حَتْفَ أنفه من غير سبب خارج عنه، مما أباح الله أكله من حيوانات البر أهليها ووحشيها وطائرها، وقد كان عرب الجاهلية يقولون:"تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله"، وقد استثنى الشرع الحكيم ميتة البحر وميتة الجراد من الحرمة إذا ثبت عدم