{وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ} يخرجهم من الظلمات الموحشة المضلة، ظلمات الشهوات الفاسدة، والقيم الهابطة، حيث عماء الرؤية وغبش التصور ومزالق الحيرة والتيه والتعارض والاصطدام والاقتتال، وزلل العقول والأفئدة وموجبات الإحباط والعذاب، {إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} إلى نور الوضوح في البصر والبصيرة، وضوء المعرفة واليقين في القلب والسريرة، {وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} يأخذ بهم إلى طريق غير ذي عوج نحو جنة الخلد بفضل الله تعالى، هو طريق الاعتقاد الصحيح، ألوهيةً وربوبية وتصورا إيمانيا واضحا، علما وعملا، امتثالا للأوامر واجتنابا للنواهي، قال تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} إبراهيم 1.
من خلال هذه الآيات الكريمة تبينت وحدة دين الإسلام لدى كل الأنبياء والرسل، واتضحت وحدة ميثاقه تعالى مع جميع عباده على الإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وعلى العمل بما فرض عليهم من عباداتٍ فردية وجَماعية في جميع المجالات، علميةً كانت أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، صلاةً وزكاة وصدقة ونُسُكا وجهادا في سبيل الله.
ومادام الخطاب موجها لأهل الكتاب، فقد تم الالتفات عقب ذلك بصيغة الماضي إخبارا بما نقضوا به عهدهم مع الله تعالى، وتحذيرا للمسلمين من أن ينهجوا نهجهم أو يعملوا عملهم، لا سيما وقد نال الخلل لديهم كل معالم العقيدة، فسادَ تصور وعلانيةَ جحود ووقاحةَ خطاب لموسى وجلافةً في الحديث عن الله تعالى.
أما خلل العقيدة لديهم فقد مس ركنين أساسيين فيها:
أولهما تصورهم الإيماني لله تعالى، في قوله عز وجل: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} والنصارى في هذا الخلل طوائف، طائفة جعلت عيسى عليه السلام ربًّا، وطائفة جعلته ابنا للرب، وأخرى جعلته ثالث ثلاثة. دخل هذا التحريف عقيدتهم بعد أن فُقِد الإنجيل الأصلي