أما الهدف الثاني لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة فهو قوله تعالى:
{وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} يصفح ويتجاوز عن كثير مما ارتكبوه من ظلم وعدوان على الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وكثير مما اجترحوه في حق رسالة الأنبياء والرسل عليهم السلام تحريفا وكتمانا وافتراء، لا سيما وقد نصره الله عليهم، وأقدره على معاقبتهم، وأفضل العفو عند المقدرة، والكريم إذا قدر عفا، وإذا حاسب سامح.
ثم أوجز الحق سبحانه جوهر ما جاءت به الرسالة النبوية مجملا فقال:
{قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} والنور هو الإسلام دينا ومنهج حياة، أنوار الهداية إلى الحق فيه ظاهرة لمن تدبرها واستبصر ضياءها وانشرح صدره لها، كما في قوله تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} الزمر 22، وقوله: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} الصف 8، وقوله: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الأعراف 157.
أما الكتاب المبين فهو القرآن الكريم الذي يبين أحكام الإسلام وقواعده وتشريعاته ومواعظه وحكمته، وكان بذلك دليلا {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} يأخذ بيد الباحثين عن الحق والراغبين فيه والساعين إلى رضوان الله تعالى فيبلغهم {سُبُلَ السَّلَامِ} المؤدية إلى سلامة النفس في الدنيا توازنا وسكينة وطمأنينة، وسلامة القلب من مشاعر السوء ومزالق الأهواء، وسلامة العقل من العماء والغباء، وسلامة الجوارح من الآثام، وإلى السلام مع الكون انسجاما وتفاعلا إيجابيا رضيا، ومع الإنسانية سعيا للخير ونشرا للمحبة والوئام، ومع المجتمع تكافلا وتعاونا وتناصحا، ومع الأسرة زوجا وولدا وبناء للأجيال الصالحة، وإلى السلام في الآخرة حسابا يسيرا وانقلابا إلى الجنة فرحا وسرورا.