وأما التكليف الثالث فهو إقامة العدل بين الناس بقوله تعالى:
{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} أي لا يحملنَّكم على الظلم أو يستدرجنَّكم إليه بغضُ غيركم لكم أو بغضُكم لغيركم من أي دين أو جنس أو لون أو قوم كانوا، لأن ظلم الغير ظلم للنفس وتنكر للوحدة الإنسانية، ونقض للميثاق مع الله تعالى، وعاقبة الظلم وخيمة العواقب في الآخرة، يقول تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ} سبأ 31، والخطاب بذلك عام في المسلمين وغير المسلمين، فلا يجوز أن يتعامل الناس فيما بينهم إلا بالعدل والإنصاف، ولذلك أكده الحق تعالى بقوله عقب ذلك: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أي إذا كانت غايتكم تقوى الله ومرضاته فاعدلوا، فإن العدل أقرب طريق تبلغكم درجة الأتقياء {وَاتَّقُوا اللَّهَ} خافوه فلا تنقضوا ميثاقه ولا تراقبوا سواه {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} يعلم خفي أعمالكم وظاهرها فيجازيكم بها، وتكرير الإخبار في هذه الآية بعلم الله تهديد للعصاة الظلمة وتأكيد لأهمية العدل ووجوب توفيره في المجتمعات الإنسانية.
وحيث كان مضمونُ هذه الآية الكريمة وعدا للمطيعين ووعيدا للعصاة عقَّب الحق سبحانه بذكر ثواب من امتثل وأطاع وعدل فلم يظلم بقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وعد الله الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح والعدل في الرضا والغضب بما لهم عنده {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} تغفر خطاياهم ويقبل صالح عملهم ويثابون أعظم الثواب في الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: (المقسطون على منابر من نور يوم القيامة) .
ثم شفع وعد المطيعين بوعيد العصاة وفاء بحق البشارة والنذارة وإقامة للحجة فقال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} أي: والذين كفروا بالله إلحادا أو شركا أو إنكارا لما هو معلوم من الدين بالضرورة، وكذبوا بما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم والسنة الثابتة مصيرهم جهنم هم أصحابها والمصطلون بجحيمها.