واستيعاب ما ترشد إليه السنة النبوية استيعابا يفضي للمسارعة إلى العمل والتنفيذ، عقيدة وشريعة واتباعا واقتداء، ومحبة صادقة وموالاة تامة لله ولرسوله والمؤمنين.
وحذر من الجراءة على دينه بنقض هذه المواثيق أو نسيانها أو الغفلة عنها فقال عز وجل:
{وَاتَّقُوا اللَّهَ} قُوا أنفسكم غضب الله تعالى وعقابه، فلا تنقضوا ما أبرمتم من عقوده، ولا تخِلُّوا فيما تخفونه أو تبدونه بما عاهدتموه عليه، لأنه عز وجل يعلم سركم كما يعلم علانيتكم {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} لاتخفى عليه خطرات قلوبكم ولا خلجات صدوركم.
وكيلا يُظَنَّ أن الوفاء بهذه المواثيق متعلق فحسب بما سبق في هذه السورة من التشريعات الفردية في المأكل والمشرب والمنكح حلالا وحراما، وطهارة الأنفس صفاء وتسامحا وتغافرا، وطهارة الأبدان وضوءا وغسلا وتيمما، عقب الحق سبحانه بفروض العبادة الجماعية للأمة الإسلامية التي أخرجت للناس كافة وأوجزها في ثلاثة تكاليف هي القوامة على تنزيل منهج الله في الحياة، وشهادة الصدق على البشرية، وإقامة العدل بين الناس.
أما التكليف الأول فقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ} ولفظ:"قوامين"صيغة مبالغة تعني المبالغة في القيام بالشيء والمداومة عليه، من فعل"قام"أي نهض، نقيض جلس، ويستعمل مجازا بمعنى المحافظة، ومنه قوله تعالى: {الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ} أي محافظون عليهن، وبمعنى الملازمة والثبات في قوله تعالى: {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا} ورجل قائم على الشيء وقوام به إذا ثبت عليه وتمسك به وواظب على رعايته، ولا يكون كذلك إلا إذا أتى به تاما مقوَّما لا نقص فيه ولا اعوجاج. ومنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على