ذلك يقول الحق سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} الأعراف 201.
ولئن كان التذكيرُ بالمبدأ والمعاد والثواب والعقاب أبْلغَ في قلوب أهل الخوف، فإن التذكير بنعم الله وفضله أبلغُ في نفوس أهل الرجاء، لذلك نجد الوحي الكريم في سورة المائدة يخاطب الفئتين، رهبا ورغبا، فبعد الأمر بالوفاء بالعقود نِذارةً، عقَّب بشارةً بذكر نعمته تعالى على أهل الإيمان بإباحة الطيبات وتحريم الخبائث، مآكل ومشارب ومناكح، وبما امتن به عليهم من منهج العدل والأمن والطهارة، ثم بنى ذلك كله على أول ميثاق غيبي واثقهم به في الملأ الأعلى وما تلاه من مواثيق مشهودة بواسطة الأنبياء والرسل عليهم السلام على تتابع الرسالات، وتعاقب الأجيال، آمرا بتذكرها محذرا من نسيانها أو الغفلة عنها أو نقضها فقال عز وجل:
{وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ} يذكر الحق سبحانه العباد بآصرتين تجعلان العقلاء منقادين لما فرضه عليهم من تكاليف:
أولهما نعمته عليهم بقوله تعالى {نِعْمَةَ اللَّهِ} ، والمراد كثرة نعمه، لأن كلمة"نعمة"اسم جنس لكل فضل وعطاء مادي ومعنوي في الدنيا والآخرة، مما لا سبيل لِعَدِّه وحصره، ومعلوم أن كثرة النعم ولا محدوديتها والعجز عن إحصائها إذا لم يستطع غير الله توفيرها تهدي إلى وحدانيته تعالى وتوحيده، وتقتضي شكره وتوجب اتباع منهجه والانقياد لشريعته، وأن من آفات كثرتها واستدامتها أن يألفها المرء ويتعود عليها فينسى مصدرها أو قيمتها، ولذلك أمره تعالى بتذكرها واستحضارها في الوعي فؤادا وسمعا وبصرا، وفي العقل تفكرا فيما أمده به ربه من حياة وقدرات مادية ومعنوية، وخيرات عامة مآكلَ ومشارب ومناكح وذرية، وما سخره له في الكون من الآيات والكائنات، وما ينتظر المطيعين في الآخرة من نعيم وما أُعِدَّ للعصاة من الجحيم.