فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 278

لذلك كان جوهر دعوات الأنبياء مبنيا على تذكير الناس بما واثقهم به ربهم في الملأ الأعلى إذ قال عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} الأعراف 173، وكانت استجابتهم سرعةً أو بُطئًا، إقبالا أو إعراضا على قدر حيوية ذاكرتهم الفطرية وسلامتها ونظافتها. أسْرَعُ الناس استجابة لدعوة الإيمان الأنبياء والرسل عليهم السلام ولكنهم غير مستغنين عن التذكير، ولو استغنى أحدهم عنه لكان سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم أولى، وقد خاطبه ربه عز وجل في فجر الدعوة بمكة بقوله: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} الإنسان 25، وقوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} الأعراف 205، وقوله: {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} الأنعام 68، واستمر تذكيره بما نال إخوته الأنبياء من محن وبلاء في عدد من سور القرآن الكريم، من ذلك قوله عز وجل: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} الأحقاف 21، وقوله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} مريم 41.

كما جعل الحق سبحانه من عملية تحفيز الذاكرة أو تنبيهها أو محاولة إحيائها منهجا للأنبياء في دعوتهم إلى التوحيد، وبوابة الالتحاق بركب الإيمان على مدار الوجود الإنساني في الأرض، بقوله عز وجل: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} ق 45، وقوله: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} الذاريات 55.

إن المرء لتنتابه أحيانا غفلة عن المبدأ والمعاد والحال والمآل، فيهيم في أودية العماء عن معالم الحق، ومهامه جحود آيات الله ونعمائه، وتتقاذفه عواصف الفتن وزوابع البلاء، فإن أراد الله به خيرا انتعشت ذاكرته بدعوة صادقة مباركة أو رفقة طيبة صالحة، أو نفس لوامة نادمة، أو عين بصيرة لماحة ألقت به إلى سفينة الذكرى النافعة، وجادة التفكر المبصر، وأسرعت به إلى التوبة، وفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت