أما الجواب المجمل فقوله عز وجل مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم:
{قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} أي أبلغهم يا محمد أن الله تعالى أحل لكم كل الطيبات، والطيبات لغة اسم يتناول معنيين من طريقين، من طريق الدين وهو الحلال، ومن طريق الطباع وهو المستلذ، إلا أن في الحلال ما هو غير مستلذ كالضب مثلا وقد استقذره الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يأكله ولم يحرمه، كما أن من المحرمات ما قد يستلذها أصحابها، كبعض التصرفات الطائشة المحرمة والمطعومات المؤذية للأجساد والعقول والأعراض، وعليه تكون الطيبات المباحة على وجهين أولهما أن تكون حلالا، وثانيهما أن للمرء أن يختار من الحلال ما يستطيبه ويستلذه من غير إثم عليه أو مساءلة عنه، كما قال تعالى في طعام أهل الجنة - والقياس مع الفارق: {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} الواقعة 20/ 21، وبذلك وضع الحق سبحانه حدودا موسعة للحلال فلم تحرم نصوص الشريعة إلا ما كان خبيثا أو ضارا، وأطلقت لطباع الأقوام والأجناس والشعوب وعاداتهم وأذواقهم حرية الاختيار في دائرة ما أبيح لهم، من غير تضييق عليهم أو إضرار بهم أو بغيرهم، وهو معنى قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} الأعراف 32.
وأما الجواب المفصل فمتعلق بثلاثة مواضيع أولها أحكام الصيد بالكلاب والفهود والبزاة وغيرها من الحيوانات المعلمة، وكان ذلك عقب تحريم الرسول صلى الله عليه وسلم اقتناء الكلاب لغير ضرورة، والثاني متعلق بأطعمة أهل الكتاب، والثالث بنكاح المؤمنات والكتابيات، لا سيما وقد أخذ الفتح الإسلامي في التوسع ووصل إلى مؤتة بوابة الشام المسيحي آنئذ، واطلع المسلمون على عادات القوم وتقاليدهم في الأطعمة والأنكحة.
أما تحريم اقتناء الكلاب فكان بعد أن تكاثرت وآذت الساكنة واعتادت المرور من داخل المسجد النبوي وربما لوثته أحيانا كما روى البخاري عن ابن عباس، فقال صلى الله عليه وسلم: (لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها) ، ثم لما وعده جبريل عليه السلام بزيارته فلم يزره،