لذلك ما أن استوت تربية الصحابة الكرام واستنارت قلوبهم وانشحذ حسهم الإيماني حتى أخذوا يمطرون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسئلتهم عن كل ما يجدون فيه حرجا أو غموضا أو لبسا، احتياطا منهم لعواقب تصرفاتهم أقوالا أو أعمالا، مآكل ومشارب ومناكح ومعاملات.
بدأت هذه الأسئلة في المرحلة المكية محاولة لاستكشاف ما ليس لهم استكشافه بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} النازعات 42، وتطورت بتدرجهم في مراقي العرفان، واستقامت على الطريقة بعد أن ميزوا ما لهم وما عليهم، ثم عندما تبينوا أن الإباحة هي الأصل في مكاسب الدنيا وزينتها، مأكلا ومشربا واستخداما وانتفاعا مما لا يحيط به الحصر، لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} البقرة 29، وأن المحرمات محدودة لكونها رهنا بالنصوص كتابا وسنة، خشوا أن توقعهم كثرة المباحات في الحرام أو شُبَهِهِ، وسألوا رسولهم صلى الله عليه وسلم أن يفصل لهم ما أُحٍلَّ لهم مما هو ضروري لحفظ الذات والحياة مشربا ومأكلا، وحفظ النوع تزاوجا وتناسلا، وكان سؤالهم لشدة حيائهم منه تلميحا لا تصريحا بما حكاه عنهم القرآن الكريم بقوله تعالى:
{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} والسائلون في هذه الآية زمرة من المؤمنين خافوا على أنفسهم الشطط في التفريط، والغلو في الإفراط، بعد أن اقتصر الوحي في الآية السابقة من سورة المائدة على أحد عشر محرما من الأطعمة بقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِير .. } الآية، وأباحت لهم الآية قبلها بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليهم، فهُرِعوا إلى نبيهم صلى الله عليه وسلم للسؤال عما سوى ذلك من المباحات خشية الوقوع في الحرام غفلة أو جهلا، وكان جوابهم من رب العزة تعالى بواسطة الوحي ذا شقين، مجمل ثم مفصل: