وأما المنة الثانية فقوله تعالى:
{وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} والنعمة اسم جنس لكل فضل وعطاء وكرم من الله للناس في أمر دينهم ودنياهم مما يستوجب الحمد والشكر، وتمامها أنه تعالى أفاضها بدون نقص على المسلمين ما التزموا بمنهجه وتمسكوا بحبله، كما أن كمال الدين يعني أنه غير قابل للزيادة لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) ، فمن أحْسَنَ العمل بدينه وأُلْهِمَ رشْدَه وحِيزَتْ له كفايتُه وأوزَعَه الله الشكر وزُحزِح عن النار ودخل الجنة فقد كمل له الفضل وتمت له النعمة، قال الحق سبحانه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} النحل 18، وقال: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} لقمان 20.
وأما المنة الثالثة فقوله تعالى:
{وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} والأمر في كلمة {وَرَضِيتُ} أمر تكليف وإيجاب، وإنما عبر بها تلطفا بالمؤمن الذي بلغ شأوا عاليا من الإيمان والطاعة والحرص على مرضاة الله تعالى، لأنه عز وجل جعل الإسلام دينا للكون كله، فقال: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} الرعد 15، وقال: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} 19 آل عمران، وقال: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} آل عمران 85.
إن هذا الدين الذي ارتضاه الحق سبحانه لعباده منذ خلق السماوات والأرض وما فيهن هو ما واثق به جميع الرسل والأنبياء، وإنما كان لحكمة من الله ينزل لكل قوم على لسان نبيهم، تبعا لما يحتاجون إليه من أمر دنياهم وآخرتهم، ويتكامل حسب الحاجة على تعاقب الرسالات، وهو في كل تلك الأحوال كامل بالنسبة لزمانه ومكانه وقومه، ثم ختمت النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم مبعوثا للناس كافة، أبيضهم وأسودهم وأحمرهم، ولم تبق حاجة إلى أحكام أخرى بعد سورة المائدة، ولم تبق للأمة حاجة إلى نبوة أخرى بعد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} الأحزاب 40.