فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 278

وإن هذا الدين الذي اصطفاه الحق سبحانه لعباده واجتباهم له مُيَسَّر لمن آمن به، عقيدته سمحة واضحة لا لبس فيها ولا غموض، وشرائعه منزهة عن الظلم، ترعى حق الله وحق الناس وحق الجسد والمال والأهل والولد، وما يخل بها عند تنزيلها في واقع الحياة إلا إحدى آفتين، آفة الإفراط والغلو وآفة التفريط والتقصير، أولاهما تتجاوز بصاحبها حدود الأمر والنهي، والثانية تمنع صاحبها عن كمال الطاعة، والمرء في غنى عن ذلك كله، فما يريد به ربه تعالى إلا اليسر، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} البقرة 185، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الدين يُسْر، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غَلَبه، فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيءٍ من الدُّلْجَةِ) ، وقال: (إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين)

ولئن كانت ظروف المؤمن تتقلب بين العافية والسقم والاختيار والاضطرار، واليسر والعسر والظعن والمقام والأمن والخوف، فإن الله تعالى قد ختم هذه الآية بجزئيها، جزئها المتعلق بالأحكام الشرعية العملية وجزئها المتعلق بكمال الدين وتمام النعمة، بنعمة شاملة أخرى خامسة، تخفف على المؤمن جميع ما ينتابه من حالات الشدة والضيق، وما يواجهه من نصب ومحنة وفتنة بقوله عز وجل:

{فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ولفظ: {مَخْمَصَةٍ} معناه المجاعة، من الخمص وهو ضمور البطن من الجوع، ولفظ: {مُتَجَانِفٍ} من فعل:"جنف"عن الحق إذا مال عنه وجار في قول أو عمل، وجنف إلى الإثم آثره واختاره ومال له، وقوله تعالى: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} أي غير مائل للإثم أو متعمد له، {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يغفر للمؤمن إثم تناول الطعام المحرم في حالة اضطراره إليه، إذا لم يستحله أو يتجاوز حاجته إليه، أو يأكله على سبيل التلذذ والاستطابة.

إن اضطرار المؤمن في الحياة محتمل الوقوع في أي لحظة يقدره الله تعالى عليه اختبارا وابتلاء أو رفع درجة أو تطهيرا من الذنوب، لذلك عمت آيات اللطف والرحمة والمغفرة والتخفيف كلتا مرحلتي مكة والمدينة: ففي مكة نزل قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} النحل 115، وقوله عز وجل: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} الأنعام 145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت