13، وأبطل ما كانوا يتناجون به سرا وعلانية، ويرجون تحققه من انهيار لحركة الدعوة الإسلامية عند كل موطن من مواطن المحنة والبلاء، كما حدث يوم حنين إذ انكشف المسلمون فظنها المشركون الهزيمة، وأخرجوا ما في أنفسهم من الضغينة، وقال أحدهم:"لا تنتهى هزيمتهم دون البحر"، وقال آخر:"ألا بطل السحر اليوم"، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في نفس خطبة يوم عرفة: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا وَلَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ مِنْكُمْ بِمَا دُونَ ذَلِكَ فِيمَا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَاحْذَرُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ).
لقد أضفى الله تعالى على المسلمين في حجة الوداع من مصادر القوة والمنعة والإعداد النفسي والحركي والتشريعي ما يقوي زخم اندفاعهم نحو الغاية التي خلقوا من أجلها، تتولاهم وتسدد خطواتهم عناية الله تعالى ومعيته، توفيقا ونصرا وثقة واستعلاء إيمان، وإن أمة بهذه الصفات لجديرة بأن يخاطبها الحق سبحانه بقوله عقب ذلك:
{فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} أي لا تخافوا هؤلاء الأعداء المتربصين بكم، فأنتم أقوى منهم بعقيدتكم وولائكم لربكم وثقتكم بنصره لكم، أنتم أولى بالأمن منهم لأن الله معكم، وهم أولى بالخوف منكم لأن كيدهم من الشيطان وكيد الشيطان ضعيف، وقوتكم من الرحمن وهو القاهر فوق عباده، ومن كان هذا حاله فالأولى به الخوف من ربه وحده، قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} النازعات 41، والأجدر به الاستعلاء بإيمانه والاعتزاز بعقيدته، قال عز وجل: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} آل عمران 139.
ولئن كان هذا الخطاب موجها للمسلمين في حجة الوداع، فإنه في جوهره موجه للمسلمين كافة في كل عصر ومصر إلى قيام الساعة، إن تمسكوا بالحق وعملوا به وكان خوفهم من الله وحده لم ينل منهم عدو، وما هزائمهم في عصرنا هذا إلا بما نقضوا من العهود وما استحلوا من الحرمات، وما قطعوا من أواصر الأخوة الإيمانية، والإسلام يبقى في كل الأحوال محفوظا على رغم انخذال أهله، وقويا بمنهج ربه، له من يؤمن به ومن ينتصر له، لا تخلو أرض من رجاله ولا زمن من مجدديه، قال الحق سبحانه: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} محمد 38، وقال صلى