الوداع بعد العصر، وسرعان ما أيقن الرسول صلى الله عليه وسلم باختتام رسالته ودنو أجله، فكانت هِجِّيرَاه [[1] ]من عصر ذلك اليوم إلى الغروب جوابا منه عليها قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} آل عمران 18.
أما لفظ {الْيَوْمَ} في هذه الآية فيعني يوم عرفة من حجة الوداع، وهو الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبته يومئذ بقوله: (إن الزمان قد استدار كهيئتِهِ يومَ خلق الله السماوات والأرض) [[2] ]، وهو اليوم الذي تم فيه بنزول سورة المائدة بناء الدولة الإسلامية عقيدة وشريعة ونظام تدبير عام متماسك، له قيمُه التي تحدد الحقوق والواجبات الفردية والجماعية، ومبادئُه التي تضع صفاتِ المواطنةِ الصالحة وشروط التعايش السليم الآمن، وتحدد الآليات الشوروية الخاصة باتخاذِ القرارات وبناءِ الأجهزة الخدمية التنفيذية، فتكامل بذلك التصور الإسلامي الذي يتوج مسيرة الإنسانية بالرشد، ويعيدها إلى الوضع السوي الذي تنبذ فيه ضلالات الاستبدادِ والتحكم والقهر، وإلى ما فطرت عليه يوم خلق الله السموات والأرض، وبَرَأَ آدمَ وذريتَه على أحسن تقويم. فكان حريا بالأمة في ذلك اليوم أن تبلغ مرتبة عالية من الثقة بربها وبمنهج دينها وتصورها الإيماني المستنير وبما أعدها به وله نبيها صلى الله عليه وسلم من حسن تربية وتعليم، ولذلك ربط الوحي الكريم بين هذا اليوم وبين ما ينبغي أن يكون عليه حال الأمة دائما إزاء عدوها بقوله عز وجل:
{الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} وفعل {يَئِسَ} من اليأس، وهو انقطاع الرجاء والأمل، أي: إن ما بلغه المسلمون يومئذ من قوة الإيمان والعلم والعمل والثبات على الصراط المستقيم قد أيأس الكفار من أن يزحزحوهم عن عقيدتهم أو يشككوهم فيها، أو يحملوهم على تغيير دينهم ونقضه، أو النيل منه بتحريف أو نقص، أو يستدرجوهم لنسيان بعض أحكامه أو كتمانها أو المتاجرة بها كما فعل أهل الكتاب الذين بدلوا دينهم {وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِه} المائدة
(1) - هِجِّيرَى الرجل: كلامُه، ودَأْبُه، وشأنُه.
(2) - عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان) صحيح الألباني.