عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 173 البقرة، وترك الوحي تفصيل ما يندرج تحتها من الخبائث إلى ما بعد فتح مكة في حجة الوداع، تدرجا في التحريم كما كان الحال في التدرج لتحريم الخمر، لئلا ينفر العرب من شدة هذه التكاليف، أو يشق ذلك على حديثي العهد بالإسلام، أو على فقراء المسلمين في فترة استضعاف المشركين لهم وطمعهم في أن يرتدوا عن دينهم إن أحرجتهم تكاليفه. ثم أعيد التذكير بها وتأكيدها في سورة المائدة، لتضاف إليها وتبنى عليها بقية محرمات اللحوم التي لم تذكر من قبل، وأولها قوله تعالى:
{وَالْمُنْخَنِقَةُ} وهي التي ماتت خنقا بسبب خارج عنها، كالتي يخنقها الرجل من أجل أكلها كما كان يفعل أهل الجاهلية، أو التي يخنقها الغاز في مكان مغلق، أو التي يستدير حبل على عنقها فتموت به، أو التي تدخل برأسها بين عودين من شجرة فتخنق فتموت، وكل منخنقة بأي سبب أكلها حرام.
{وَالْمَوْقُوذَةُ} أصل الكلمة من فعل: وَقَذَهُ يَقِذُهُ وَقْذًا أي: ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت، ووقذ الحية إذا شارف بها على الموت، يقال: وقذه النفاق أو المرض إذا أوهنه وأضعفه فهو وقيذ، وأوقذه النعاس إذا غلبه، والوقيذ من الرجال: البطيء الثقيل، ومنه الموقوذة، وهي التِي تُضرب بعصا أو مطرقة أو حجارة حتَّى تُشرف على الْموت ثمَّ تُتْرك تَمُوت بِغَيْر ذَكَاة، وكانوا يأكلونها في الجاهلية. ومن ذلك الخذف وهو الرمي بالحصا أوالخزف أو الطين اليابس سواء كان الرمي باليد أو المخذفة أو المقلاع، وقد نهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: (إنه لا يصيد صيدا ولا ينكأ عدوا ولكنه يكسر السن ويفقأ العين) .
ووقْذُ الحيوان مطلقا محرم لأنه تعذيب له، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شاء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة، وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) . وقد حرمت هذه الآية أكل موقوذة الأنعام وكل ما يحل أكله من الوحش والطير، لأنها تدخل في عموم الميتة.