والمراد بالآية حث المؤمنين في حالات التباغض والشنآن على التغافر والتسامح ونبذ نوازع الانتقام والتشفي، لأن الأصل في علاقة المؤمن بأخيه هو التعاون على طاعة الله، وعلى كل خير وبر وإحسان لخلقه، والتناهي عن ارتكاب الذنوب والآثام، وعن الاعتداء على الحدود الشرعية المقررة في الكتاب والسنة، وعن المس بحقوق الغير مبادأة ومجازاة، فعلا ومشاركة، أو دعما وتشجيعا، أو إقرارا وسكوتا، ويستوجب ذلك عليهم الدعوةَ إلى المعروف من المعتقد والقول والعمل، وإعانةَ من آثره ورغب فيه، ونُصْحَ من رغب عنه ونأى بجانبه، لقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} آل عمران 104، وقوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} التوبة 71، وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة منها قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) ، وقوله: (من أعان على خصومة بظلم، أو يعين على ظلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع) ، وقوله: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا) ، وقوله: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه) ،
ثم ختم الحق سبحانه هذه الآية الكريمة بإنذار الذين يقرون الإثم والعدوان أو يشاركون فيهما أو يمهدون لهما السبيل إعانة أو سكوتا بقوله عز جل: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} أي: اجتنبوا الإثم والعدوان واحذروا أن تخالفوا أمر الله تعالى لكم بالتعاون على البر والتقوى، فإنه عز وجل شديد العقاب لمن خالف أمره وآثر عصيانه واتبع غير صراطه المستقيم.
لقد حرم الحق عز وجل تحت طائلة العقاب الشديد انتهاك كل الحرمات وأضافها إليه، تهويلا لأمر الاستهانة بها أو إحلالها، وجعل كل مس بها عدوانا على حقه وعلى حقوق عباده من كل جنس ولون ودين، أحكامُ شرعه عز وجل يَحرُم تجاوزُها، ودماءُ خلقه وأعراضهم وأبشارهم وأموالهم يحرم إهدارها واستباحتها، وحرياتهم واختياراتهم تحرُم مصادرتُها أو الاستبداد بها، وجَعَل