فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 278

الرحمة صادق الوعد جزيل العطاء، وإلى العبد تارة فيقال: بَرَّ العبدُ ربَّه، أي: توسع في طاعته، فهو من الله تعالى سعة الإحسان وجزيل الثواب، ومن العبد الطاعة والامتثال وحسن القصد، والمراد به مطلقا طاعة الله عز وجل وامتثال أمره في دقيق العمل وجليله. إذ لا صلةَ خيرٌ مِن جَعْل توجيهاته في الكتاب والسنة دليلا ومرشدا ونبراسا، ويشمل بِرَّ المعتقد توحيدا وتصورا إيمانيا سليما واضحا، وبرَّ العبادة صلاة وصوما ونسكا، وبرَّ المعاملة صدقا وخلقا رفيعا وإحسانا، ومن ثم يتسع معناه لكل خير وصلاح.

وإذا كان البر عملا للخير ومواظبة عليه، فإن التقوى هي اتقاء الشر واجتنابه، ولا شرَّ أشد من الكفر والمعصية، لذلك جمع الله تعالى في هذه الآية بين البر والتقوى لتتم بذلك للمؤمن الصالحات فقال {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} ، أي لِيُعِنْ كلٌّ منكم غيرَه على فعل الخير ونشره واتقاء الشر واجتنابه، عبادة ومعاملة في جميع المجالات الدينية والدنيوية. وذلك ما أجمله القرآن الكريم بقوله عز وجل: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} البقرة 177.

وفي مقابل ذلك نهى الحق سبحانه عن كل ما ينافي البر والتقوى فقال عقب ذلك:

{وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} ولفظ"الإثم"من أصل واحد ذي ثلاثة أحرف هي الهمزة والثاء والميم، وتدل على البطء والتأخر، والإثم مشتق منه، وهو اسْمٌ للأفعال المبطئة عن الثواب - كما يقول الراغب-، والآثم بطيء عن الخير متأخر عليه، ثم أطلق لفظ"الإثم"على كل ذنب ومعصية، ولفظ"الآثم"على متحمل الإثم. أما العدوان فهو تجاوز الحدود التي أمر الشارع بالوقوف عندها سواء في العبادات أو المعاملات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت