السنة العاشرة للهجرة، فنزلت الآية تحرم ذلك وتنهاهم عنه وتعده عدوانا وظلما، وتحضهم على تطهير القلوب من بغضائها والنفوس من سخائمها، لأن حرمة البيت الحرام مقدمة على غرائز الثأر وشهوة الانتقام، ولأن جميع قاصدي البيت في هذا العام مسلمون، والمشركون الذين صدوهم عنه عام الحديبية قد أسلموا، والإسلام يجُبُّ ما قبله من ذنب وإساءة، وقد حرمه الله تعالى على المشركين من قبل في السنة التاسعة للهجرة بقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} التوبة 28، فلم يحج البيت بعد هذه السنة مشرك، لما رواه الطبري عزوا إلى ابن عباس والسدّي ومجاهد وقتادة وابن جريج من أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم عرفة وهو يلقي خطبته على المسلمين نظر أمامه فلم ير إلّا موحّدا ولم ير مشركا فحمد الله ...
وكعادة التربية القرآنية إذ تطهر القلوب من أدرانها وأضغانها، لا تتركها فارغة جوفاء تائهة، ولكن تمدها بالبديل الرباني تزكية وترقية وإعلاء، وكما نهاهم الحق سبحانه عن إحلال شعائر الحج أمكنة وأزمنة وأناسي وشجرا وحجرا وعن التمسك بسخائم النفوس ضغائن سائبة وأحقادا دفينة، عوضهم بخير من ذلك فقال:
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} والبر لغة هو الصدق والإحسان إلى الخلق، والبِرُّ: خلاف العُقوقِ، والمَبَرَّةُ مثْله. وقَدْ بَرَّ والِدَه يَبَرُّه ويَبِرُّه بِرّا، فهو بَرٌّ به وبارٌّ، وجمع"البَرّ": أَبْرارٌ، وجمع الأبرار: بَرَرَة.
والبِر ُّشرعا هو حسنُ الصلة مع الله والناس، أصل الكلمة كما قال الراغب في مفردات القرآن من"البَرّ"بفتح الباء، خلاف البحر، وتُصُوِّر منه التوسُّع فاشتق منه البِرّ، أي التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله تعالى تارة نحو قوله تعالى {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} الطور 28، أي العظيم واسع