ذلك: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} ، تعقيبا على تحريمه في الآية الأولى من سورة المائدة بقوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} .
ولئن كانت المدينة الفاضلة لدى أفلاطون ومن نهج نهجها هي التي يعيش فيها الناس أحرار الشهوات متسيبي العواطف والرغبات بهيمي العلاقات والنزوات، فإن الإسلام قد أقام في مواسم الأشهر الحرم مجتمعا إنسانيا حقا وفاضلا حقا، مجتمعا يأمن فيه المرء على نفسه وماله وعرضه، في جو من المودة والمحبة والسماحة والتغافر والتطاوع، وحالة من المساواة مخبرا ومظهرا ومطعما ومشربا وملبسا، والترفع عن غرائز الانفعال الأهوج ونوازع الانتقام والثأر.
إلا أن أجواء الأمن والسكينة التي يقيمها الحق سبحانه في حرمه أربعة أشهر كاملة قد تتعارض مع ما يحتمل أن يكمن في نفوس بعض الأفراد أو سياسات بعض الدول من آثار خلافات وصراعات شخصية أو قبلية أو اجتماعية أو سياسية، فيؤدي ذلك إلى المس بحرمة قاصدي البيت الحرام بالصد والمنع أو التخويف أو الاعتقال والقتل، لذلك نبه الحق سبحانه إلى هذه الحالة وحرم الاستجابة لدواعي الإضرار بوفد الله تعالى إلى بيته الحرام فقال:
{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} ولفظ {يَجْرِمَنَّكُمْ} من فعل"جَرَمَ"أي قطع، يقال: جرم النخلة إذا جنى تمرها، وجرم صوف الشاة إذا جزه وأخذه، ومما يُرَدُّ إليه قولهم:"جَرَمَ"، أي كسب، لأن الذي يحوزه فكأنما اقتطعه وكسبه، وقولهم فلان جريمة أهله أي كاسبهم. أما الشنآن فهو شدة البغض، أي لا يحمِلَنَّكم بغضكم لمن صدكم عن البيت الحرام على أن تصدوهم عنه أو تنتقموا منهم، أو لا يُكسِبَنَّكم بغضُكم إثمَ العدوان عليهم. والظاهر من سياق الآية أن بعض المسلمين بعد فتح مكة لم ينسوا ما أصابهم ممن صدوهم عن المسجد الحرام في السنة السادسة للهجرة بالحديبية [[1] ]، فهموا بالانتقام منهم أو صدهم عنه عام حجة الوداع في
(1) - صلح الحديبية كان في ذي القعدة سنة ست للهجرة، وعمرة القضاء أو عمرة القضية كما تدعى أيضا كانت في ذي القعدة سنة سبع، وفتح مكة كان في السنة الثامنة للهجرة، وتحريم الحج على المشركين كان في السنة التاسعة، وحجة الوداع في السنة العاشرة، ثم التحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى بعدها باثنين وثمانين يوما أو ثلاثة وثمانين يوما.