التبريرات والظنون والأوهام، ونسوا أنهم بذلك يخسرون آخرتهم، ولا يكسبون من الدنيا إلا ما قُدِّرَ لهم الاختبار به، ولو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها الكافر جرعة ماء.
لقد ورد الأمر بالوفاء بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} في أول سورة المائدة التي هي الخامسة في الترتيب المصحفي، وقد تقدمتها فيما سبقها أحكام لعقود الإيمان والشرائع في جميع مجالات الحياة، وكذلك شأنها مع جميع السور مطلقا، إذ هي من آخر ما ختم به القرآن وتمت به الرسالة، فكانت آية الوفاء في صدر المائدة إجمالا لما تقدمها من تشريعات وتمهيدا لما بعدها من أحكام متعلقة بالعلاقات الفردية والجماعية مع الله تعالى ومع الناس، وجسرا إلى مرحلة انقطاع الوحي والتحاق النبي الكريم بالرفيق الأعلى، ثم لم ينزل في الشريعة بعد المائدة زيادة ولا نسخ ولا تبديل ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها:"أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال، فاستحلوه، وما وجدتم من حرام فحرموه".
لقد قرر الحق سبحانه في صدر هذه السورة وجوب انقياد المؤمنين لجميع التكاليف التي واثقهم بها، عقودا ومواثيق تضبط علاقتهم به سبحانه، وتحفظ مروءاتهم فيما بينهم، وكرامتهم مع غيرهم من مختلف الأديان والأقوام والأجناس، وجعل هذا الأمر أصلا كليا وقاعدة مجملة، شرع بعدها في تفصيل هذه العقود، وكما عودنا الرب الرحيم أن يبادر بالعطاء قبل المنع، وبالمنحة قبل البلاء والاختبار، كان أول عقوده المفصلة في هذه السورة كرما منه وإحسانا وفضلا أن أباح من مملكته عز وجل للمؤمنين، توفيرا لحاجاتهم المعيشية، لحوم حيواناتٍ الأصلُ في ذبحها وأكلها العدوان والظلم، وصارت حلالا لهم بعد ذكر اسم الله عليها وتذكيتها فقال:
{أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} ولفظ"بهيمة"اسم جنس يطلق على غير الإنسان من حيوانات البر والماء، سمي بهيمة لأنه أعجم ناقص العقل والفهم ولا ينطق، ومنه قوله صلى الله عليه