بمنزلة الكلام فقال:"نعم، وإني أرى أن يُتقدم إلى الجيوش أن لا تقتلوا أحدا أشاروا إليه بالأمان، لأن الإشارة عندي بمنزلة الكلام، وإنه بلغني أن عبد الله بن عباس قال ما خَتَرَ قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو"، وعن الحسن أن رجلا قال للزبير: ألا أقتل لك عليا؟ قال: كيف تقتله؟ قال: أغتاله، فقال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الإيمانُ قَيْدُ الفَتْكِ، لا يفتك مؤمن) [[1] ]، وعن أبي وائل قال: أتانا كتاب عمر ونحن بخانقين:"إذا قال الرجل إلى الرجل لا تخف فقد أمنه، وإذا قال:"مَتَرْس" [[2] ]فقد أمنه فإن الله يعلم الألسنة". وعن فضيل الرقاشي قال: حاصرنا حصنا فمكثنا ما شاء الله لا نقدر على شيء منه، وإذا هم قد فتحوا باب الحصن يوما وخرجوا إلينا، فقلنا مالكم؟ قالوا: قد أمنتمونا، فقلنا: ما أمناكم، فقالوا: بلى، فأخرجوا نشابة فيها كتاب أمان لهم كتبه عبد منا، فقلنا: إنما هذا عبد ولا أمان له، فقالوا: إنا لا نعلم العبد منكم من الحر، فكففنا عنهم وكتبنا إلى عمر بن الخطاب فكتب إلينا: إن العبد المسلم ذمته ذمة المسلمين، فأجاز له الأمان.
إلى هذا الحد من الانضباط والالتزام كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرعون حرمة الإنسان مسلما أو غير مسلم، فما ظننا بالمؤمن الذي يصبح ويمسي في ذمة الله وبيننا وبينه عهد التوحيد والإيمان؟ كيف يجوز خذلانه أو الغدر به أو الاعتداء عليه أو خيانة عقوده وعهوده ومواثيقه؟.
ولئن تساءل دعاة العصر عن سر ما يعانون من محن، وأسباب ما يشتكون من فرقة، فإن أمر ذلك واضح بَيِّن، لقد دب فيهم داء الأمم قبلهم، التنافس على الدنيا مالا وجاها وشهوات، فسارعوا إلى التخلي عن بعضهم كلما برقت لهم بارقة درهم أو منصب، متذرعين بمختلف
(1) - صحيح الألباني، والفتك: قتل الغفلة والغَرَر، والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (الإيمانُ قَيْدُ الفَتْكِ) أنَّ الإيمانَ يَمْنَع عن الْفَتْك، كما يَمنعُ القَيْدُ عن التَّصَرُّف، فكأنه جَعل الفَتْك مُقَيَّدًا.
(2) -"مَتَرْسٌ"بفتح الميم والتاء وسكون الراء كلمة فارسية معناها: لك الأمان فلا تخف.