{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} آل عمران 77.
وأجمل تعالى صفات خونة العهود وناقضيها مبينا عاقبة أمرهم في الدنيا والآخرة قولا فصلا غير مردود فقال: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} البقرة 27، فوصفهم عز وجل بصفات هي منتهى النذالة والخزي والسفالة، أولها نقض العهد وما يستتبعه من فسوق وعصيان وقطع للأواصر الإيمانية معتقدا قلبيا وتعاملا بشريا، وإفسادا في الأرض، قال ابن أبي العالية [[1] ]في تفسير هذه الآية: (هي ست خصال من المنافقين، إذا كانت لهم الظهرة(أي السطوة) على الناس أظهروها: إذا حدثوا كذبوا وإذا وعدوا أخلفوا وإذا اؤتمنوا خانوا ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل وأفسدوا في الأرض. وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الخصال الثلاث، إذا حدثوا كذبوا وإذا وعدوا أخلفوا وإذا اؤتمنوا خانوا).
لذلك كانت كل العقود والعهود والمواثيق بين الناس منبثقةً من العهد الأول مع الله تعالى، ومسؤولةً بين يديه يوم القيامة، وجوبُ الوفاء بها مطلق غير قابل للنكث والنقض إلا إذا أخلت بعهد الله عز وجل، يسأل المرء عن رفقة ساعة ولقاء لحظة، وعن كلمة عابرة يلقي لها البال أو لا يلقي، كما يسأل عن من يصاحبه السنين والحقب، ويشاركه العبادة أو الجوار أو السكن أو العمل، ويعطيه الميثاق الغليظ صريحا، أو العهد تعريضا وتلميحا، ثم يوليه الدبر إن غضب منه أو مله أو رأى مصلحة في خذلانه والتخلي عنه، أو مكرمة دنيوية في الابتعاد عنه، أو مكسبا في الإضرار به أو الاعتداء عليه، وقد سئل الإمام مالك عن الإشارة بالأمان يعطيها المؤمن للكافر في الحرب أهي
(1) - هو حرب بن أبى العالية، الشيخ المحدث أبو معاذ البصري، من الطبقة السابعة، من كبار أتباع التابعين، روى له مسلم والنسائي، رتبته عند ابن حجر: صدوق يَهِمُ.