ولا شك أن الرهبنة في أولها لم تكن نظاما كهنوتيا كما هو معروف حاليا، وإنما ابتدعت لها معتقدات منحرفة وطقوس شركية ومراسيم وثنية بالتدريج في المجمعات الكنسية المتعاقبة، ومع ذلك أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بأهلها خيرا، وحذر من المساس بهم أو التدخل في شؤونهم، كما ورد في كتابه صلى الله عليه وسلم لوفد نجران من الأساقفة والرهبان، وفيه [[1] ]: (من محمد النبي، للأسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم وكل ما تحت أيديهم من قليل وكثير جوارُ الله ورسوله، لا يغير أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم ولا ما كانوا عليه من ذلك، جوار الله ورسوله أبدا ما أصلحوا ونصحوا عليهم، غير مبتلين بظلم ولا ظالمين) وفي رواية: (لايحَرَّكُ راهبٌ عَنْ رَهبانيتِهِ، وَلَا يُغَيَّرُ وافِهٌ [[2] ]عَنْ وَفْهِيَّتِهِ، وَلَا قِسِّيسٌ عَنْ قسِّيسِيَّتِهِ) .
ثم ذكر الحق سبحانه الخصلة الثانية التي يتميزون بها وقال:
{وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} لا يستكبرون عن سماع الحق والامتثال له، ولا عن استماع النصح والعمل به، ولا عن العبادة التي يؤمرون بها، ولا يتعالون على خلق الله تعالى، وتلك سنة الأنبياء والرسل عليهم السلام، سنة يشتركون فيها وعقيدة واحدة يبلغونها وأخلاق واحدة يبشرون بها، قال صلى الله عليه وسلم (الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ؛ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، فَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ) ، وقال عن عيسى عليه السلام: (رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ: أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: لَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ بَصَرِي) ، وقال عنه وعن أبي ذر رضي الله عنه: (مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ، وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ، وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى تَوَاضُعِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَبِي ذَرّ) . ولئن كان عيسى عليه السلام في المهد: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ
(1) - ابن كثير ج 5 ص 55 - لسان العرب لابن منظور ج 13 ص 561
(2) : الوافِهُ: القَيِّم الذي يقوم على بيت النصارى الذي فيه صَليبُهم