هي طول الخوف ودوامه وشدته، قال تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} الأنبياء 90، وقال: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} النحل 51.
لقد انتحلت النصرانية الرهبنة في نظامها الكنسي عبر حلقات متتالية من التغيير والتبديل في معتقداتها وتشريعاتها وأساليب عملها، وقد عَنَتْ في مبدأ أمرها التفرغَ للآخرة والانقطاع للعبادة والانصراف عن الدنيا في الخلوات بعيدا عن أنظار الخلق، من غير أن تكون من صميم العقيدة المسيحية ولا من تشريعاتها، ابتدعها بعضهم التزاما ذاتيا ونذرا نذروه على أنفسهم في ظروف القمع والاضطهاد، هروبا من حكام ظلمة لم يتركوا لهم إلا خيارين لا ثالث لهما، الكفر أو المواجهة، فاستحدثوا نهجا وسطا، لا كفر فيه ولا مواجهة، بل فرار بالنفس وهجرة بالدين وتفرغ للعبادة في المغاور والكهوف. ولكنهم غالوا في ذلك فكان الاختبار الإلهي لهم بتقريرهم عليه وحثهم على حسن رعايته، قال تعالى {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} الحديد 27، وليس هذا الابتداع من الخلق والتقرير من الخالق غريبا في شرائع الأنبياء، فقد نذر يعقوب عليه السلام أن يحرم على نفسه وبنيه لحوم الإبل وألبانها إن شفاه الله من مرض ألم به، فكان تقرير الله تعالى إياه على ذلك بقوله: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} آل عمران 93. كما أن النذر في الإسلام معروف ومشروع بقيود معينة، ومعناه إلزام المكلف نفسه شيئا لم يكن واجبا عليه أو مطلوبا منه، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنه بقوله: (إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل) . كما نهى عن الرهبنة والغلو في الدين بقوله: (لا تُشدِّدوا على أنفسِكم فيُشدِّد اللهُ عليكم، فإن قومًا شدَّدوا على أنفسِهم فشُدِّد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامعِ والديارِ {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} ) .