النظر عنها، واستطاب الحكام إلهاءَ شعوبهم بها، فراجت أخبارها دون حرج في المجالس والطرقات، وزالت وحشتها وتقلص استقباحها في الأنفس والمجتمعات، فانهارت الأخلاق وانكفأ الدين، ولذلك علق الوحي الكريم بقوله عز وجل: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} ساءت أفعالهم اعتقادا وقولا وعملا وتصرفا فساءت أحوالهم معيشة ومآلا في الدنيا والآخرة. قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لتأمرُنَّ بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن المنكر أو ليوشكَنَّ اللهُ أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) ، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} النور 19.
لقد ذكر الحق سبحانه في هذه الآية أمرين جعلهما سببا للعن والطرد وموجبا للسخط والمقت، أولهما الانهماك في المعصية والعدوان، وثانيهما انعدام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع، ثم عقب بسبب ثالث أشد خطورة هو فساد العقيدة بموالاة الكفار ومودتهم. وذلك لأن المرء المنتسب إلى هذا الدين في أي عهد من عهود الأنبياء والمرسلين إذا تراكم على قلبه فساد العقيدة والفعل، أسَرَهُ هواه ففقد بوصلة التوجه، ومقاييس الصواب والخطأ، ولم يعد يميز بين حلال وحرام، أو مصلحة ومفسدة، كما هو حال بني إسرائيل إذ اختفى من مجتمعهم الأمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، وتحكم فيهم فسقة الحكام والعلماء، ولم يعد للعقيدة عليهم سلطان، ودفعت بهم أمزجتهم المريضة وما ظنوه مصلحة إلى موالاة أعداء الدين والاستنصار بهم على الأنبياء والرسل والمصلحين، مما حفل بذكره تاريخ الصراع بين الحق والباطل وأشار إليه قوله تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} البقرة 87، ولذلك مضي السياق القرآني شارحا للرسول صلى الله عليه وسلم أصل الداء في مواقفهم وتصرفاتهم إذ ساد فيهم الفساد وتسيَّد، وتغولت لديهم الأنانية والعزة بالإثم بقوله تعالى:
{تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أنت ترى يا محمد كيف أن ولاءهم لله اختل باختلال تصورهم الإيماني وأصبحت مصالحهم الموهومة وأمزجتهم السائبة هي الموجهة لهم