فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 278

ولما كان الغلو في الدين واتباع الأهواء أصل فساد العقيدة والعمل في كل أمة وفي كل عصر فلا جرم أن يكون أشدَّ عقوبة عند الله تعالى في الدنيا والآخرة ولذلك عقب الحق سبحانه بعد أن حذر أهل الكتاب من الغلو واتباع الأهواء فقال عز وجل: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} أي لعنهم الله تعالى في الزبور على لسان داوود وفي الإنجيل على لسان عيسى.

لقد كان بنو إسرائيل في مبدأ العهد الموسوي وكان مَنْ آمن منهم بعيسى عليه السلام بعد ذلك على المحجة البيضاء التي سلكهم فيها الأنبياء والرسل عليهم السلام، ثم ما لبثوا أن جنحوا بالتدريج للفساد الاعتقادي والعبادي والسلوكي والغلو في الانحراف إلى أن حلت بهم اللعنة، وكل انحراف يبدأ بسيطا متخفيا وتظهر أعراضه في المجتمع حالات فردية ثم تنتشر، فإن لم تعالج هذه الأعراض حال ظهورها شاعت وتجذرت واستعصى استئصالها، والفساد ما لم تَقتحِمْ عليه دارَه اقتحم عليك بيتك وأسرتك، لذلك كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شريعة الرسل والأنبياء في جميع الرسالات، وذلك ما غفلوا عنه فتراكم لديهم الفساد بالمعصية والعدوان وكان سبب اللعنة التي حلت بهم لقوله تعالى عقب ذلك:

{ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا} ذلك اللعن عليهم كان بما عصوا الله تعالى وأطاعوا أهواءهم {وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} وبما كانوا يعتدون على حق الله تعالى بتحريف دينه وجحود وحدانيته وشريعته، وتكذيب أنبيائه ورسله وقتل أوليائه.

وكان مبدأ الفساد الذي أدى إلى اللعن أنهم لم يبادروا بإصلاحه حال ظهور بوادره في الفرد والمجتمع، ولذلك قال تعالى عقب ذلك:

{كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} كان بعضهم يرون غيرهم على منكر من القول والفعل فلا ينهونهم، فألِفَ العامة الفواحش معايشة ورؤية وارتكابا، وألِفَ العلماء غض الطرف وصرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت