شنآني على أنْ يبهتَني، ألا إني لستُ بنبيٍّ ولا يُوحى إليَّ، ولكني أعملُ بكتابِ الله وسنةِ نبيِّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما استطعتُ، فما أمرتُكم من طاعةِ اللهِ فحقٌّ عليكم طاعتي فيما أحببتُم وكرِهتُم". وهو حاليا ما يقع بين سنة المسلمين وشيعتهم من غلو في التباغض بلغ حد التناحر والقتال وسفك الدماء، في حروب يذكيها ويمولها ويسلحها ويستفيد منه خصوم السنة والشيعة معا."
لقد بين لنا الحق سبحانه في القرآن الكريم نماذج من غلو أهل الكتاب يهودا ونصارى، تحذيرا من هذه الآفة في الاعتقاد والقول والعمل تصريحا وتلميحا، كما أن السنة النبوية بينت ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون) ، والمتنطع هو المغالي المجاوز للحد في الشيء قولا أو فعلا أو اعتقادا، وقوله: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدينَ أحدٌ إلا غلبه) ، وقوله: (عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا) ، وقوله: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق) ، وقوله: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف) .
أما اتباع الأهواء الذاتية أو أهواء السابقين، فهو السوس الذي ينخر العقيدة ويفسد الأعمال ويهدم الحصون من داخلها، لأن المرء إن اتبع هواه أحدث فسادا، وإن اتبع هوى غيره راكم فسادا على فساد، وهو ما وقع لبني إسرائيل إذ راكموا فساد كل جيل منهم على فساد من سبقهم فضلوا وأضلوا، وما ارتكبه النصارى إذ يفعلون نفس الفعل في مجامعهم الكنسية المتعاقبة، ويستحدثون في كل مجمع أحكاما جديدة بالفعل والترك والاعتقاد، إلى أن تفرقوا طرائق قددا، وهو ما يعاني منه المسلمون منذ بداية الانحطاط وتراكم الغلو بالإفراط والتفريط إلى أن سقطت بلاد المسلمين كلها تحت سنابك الغزاة منذ القرن الثامن عشر الميلادي، وما زال أمرهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري بيد غيرهم لحد كتابة هذه السطور بفعل أهواء حكامهم وفساد علمائهم وضلال عامتهم.