فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 278

{قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} كيف تعبدون من دون الله ما ليس بيده لكم أو لغيركم نفع ولا ضرر {وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} يسمع أقوالكم كفرا كانت أو إيمانا، ويعلم سركم وجهركم خيرا كان أو شرا، ويحاسبكم بما خفي وظهر من تصرفاتكم.

وكما هو منهج القرآن الكريم في التوجيه والإرشاد وعلاج الأنفس والمجتمعات بوصف الداء وبيان أصل نشأته وطريقة علاجه، يختم الحق تعالى بيانه لمواطن الخلل في إيمان المسيحيين ويحصر ذلك في عاملين هما رأس الزاوية في كل انحراف: الغلو في الدين واتباع الهوى، ويدعوهم إلى استئصال دواعي ذلك من مكامنه في أنفسهم ومجتمعهم بقوله تعالى:

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} في هذه الآية الكريمة يبين الله تعالى لليهود والنصارى أصل الداء لديهم جميعا ويحصره في آفتين هما: الغلو في الدين واتباع الأهواء، أهوائهم الذاتية أو أهواء من سبقوهم من الأحبار والرهبان وفلاسفة اليونان وديانات الهند.

والغلو في اللغة هو مجاوزة الحد في كل شيء، في المحبة وفي الكراهية وفي الفعل والترك والإقبال والإعراض والأخذ والعطاء والمنع، أما الغلو في الدين فهو تجاوز الحد الشرعي في الاعتقاد والعمل، وهو ما وقع فيه اليهود بتعصبهم لما حرفه أحبارهم من التوراة وتمسكهم بما ابتُدِع في دينهم من أحكام، وموقفهم من مريم عليها السلام إذ قذفوها وأنكروا صدِّيقيَّتَها، وجحدوا رسالة عيسى عليه السلام وحرضوا عليه وحاولوا قتله، وما وقع فيه النصارى بتجاوزهم الحد في محبة عيسى عليه السلام وأمه بتأليههما، وما وقع فيه بعض المسلمين إذ تجاوزوا الحد الشرعي في محبة الإمام علي رضي الله عنه وغالوا فيها، أو وقع فيه بعض مبغضيه إذ غمطوا قدره وحطوا من شأنه، ممن أشار إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام علي كرم الله وجهه إذ قال:"دعاني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال: (إنَّ فيكَ مِنْ عيسى مثَلًا، أبغضَته يهودُ حتى بَهتوا أمَّه، وأحبَّته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلِ الذي ليسَ بهِ) ، ألا وإنَّهُ يهلِك فيَّ اثنان محبٌّ يقرِّظُني بما ليس فيَّ، ومبغضٌ يحملُه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت