فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 278

مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ المائدة 116. والآية تبين أنهم اتّخذوا مريم وابنها إلهين وحدهما، لاعتقادهم أنها لم تلد بشرا، وإنما ولدت إلها فصارت مثلَه تُعْبَد معه، أما طقوس عبادتهم لها فصلاة ذات دعاء وثناء واستغاثة واستشفاع، وصيام يسمى باسمها وينسب لها، واعتقاد بأن لها سلطة غيبية تضر بها وتنفع في الدنيا والآخرة. إلا أن هذا الاتجاه في عبادة إلهين - عيسى ومريم - انقرض بتغلب عقيدة التثليث عليه، وإن بقي المثلثون يعبدون مريم عليها السلام، باستثناء طائفة البروتستانت التي أنكرت ألوهية مريم عليها السلام منذ انشقت عن الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر.

وبعد أن استوفى الحق سبحانه أوجه الكفر لدى المسيحيين دعاهم إلى التوبة والاستغفار وفتح لهم باب الرحمة بقوله عز وجل:

{أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ} أفلا يعودون إلى الحق الذي نزل إليهم من ربهم {وَيَسْتَغْفِرُونَهُ} يسألونه مغفرة ما ارتكبوه من شرك الاعتقاد والقول والعمل {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يغفر ذنوب من استغفره من عباده ويدخلهم الجنة برحمته. وورود هذه الآية الكريمة بصيغة الاستفهام {أَفَلَا يَتُوبُونَ} يقصد به توبيخهم على ما كان منهم من كفر، والتعجب من حال إصرارهم على ما لا يقبله عقل ولا يقره منطق، ثم تحريضهم على التوبة إلى الله والرجوع إلى ما تقره العقول السوية، وتذكيرهم بسعة رحمة الله تعالى ومغفرته للتوابين من عباده مهما أسرفوا على أنفسهم، قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الزمر 53.

ويمضي السياق القرآني في حثِّ جميع طوائف المسيحيين على العودة إلى العقل السوي الذي غاب عنهم والمنطق السليم الذي افتقدوه فيقرر لهم حقيقة عيسى وأمه عليهما السلام بقوله عز وجل: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} إن عيسى عليه السلام مجرد عبد رسول كمن سبقه من الرسل، ولد من غير أب إظهارا لقدرته تعالى على الخلق، كما خلق من قبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت