أما لفظ"العقود"فجمع عقد، من أصل واحد هو:"العين والقاف والدال"، ويدلُّ على شَدٍّ وشِدّةِ وُثوق، وعَقَدَ الحَبْلَ والبَيْعَ والعَهْدَ يَعْقِدُهُ عَقْدًا فانعقَدَ: شَدَّهُ، وأَصلُ العَقْدِ نَقِيضُ الحَلِّ، والعَقْدُ أيضا: الضَّمَانُ والعَهْدُ، كما أن العقود هي أوكد العهود، والفرق بين العهد والعقد أن الأول إلزام بشيء، والثاني إلزام موثق بإشهاد أو كتابة أو يمين أو غير ذلك من أصناف المواثيق والمعاقدات التي يجب الوفاء بها وعدم نكثها أو الإخلال بها، سواء تلك التي عقدها الله تعالى على عباده، أو التي يعقدها الناس فيما بينهم من نكاح وطلاق وشركة، وهبة ورهن، وعتق وتدبير، وتخيير وتمليك، ومصالحة ومزارعة، وبيوع وإجارة وغيرها، أو التي عقدها المرء مع نفسه لله تعالى من طاعة كحجٍ وصومٍ واعتكافٍ وقيام ونذر وغير ذلك، ويدخل في ذلك أيضا كل عقد يوافق الشرع سواء كان في جاهلية أو إسلام، وقد سأل فرات بن حيان العجلي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية فقال: (لعلك تسأل عن حِلْف لخْمٍ وتَيْم الله؟) قال: نعم يا نبي الله، قال: (لا يزيده الإسلام إلا شدة) . وقال صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول: (قد شهدت مع عمومتي في دار ابن جدعان من حلف الفضول ما لو دعيت به اليوم لأجبت، وما أحب أن سينقضي ولي حمر النعم) ، وكان القرشيون قد تعاقدوا بهذا الحلف على أنْ لا يجدوا مظلومًا بمكة من أهلها أو من غير أهلها إلا قاموا معه حتى ترد مظلمته [[1] ].
(1) - وذلك أن رجلًا من بني زبيد من مذحج قدم مكة بسلعة فباعها من العاص بن وائل وكان شريفًا فظلمه ثمنها، وأبت الأحلاف عبد الدار ومخزوم وجمح أن يعينوه عليه فأوفى الزبيدي على أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش حول الكعبة فأعلن مظلمته، فقال الزبير بن عبد المطلب: ما لهذا مترك، فاجتمعت زهرة وتيم وأسد في دار عبد الله ابن جدعان وصنع لهم طعامًا فتحالفوا ليكونن يدًا على الظالم للمظلوم حتى يردوا حقه إليه، وعلى التأسي في المعاش، فقالت قريش: قد دخل هؤلاء في فضل من الأمر، ثم أتوا العاص بن وائل فانتزعوا سلعة الزبيدي من يده فدفعوها إليه.