إن أول عقد في حياة البشرية هو عقد الإيمان بالله تعالى ألوهية وربوبية وقوامة، وسمعا وطاعة وولاء، منذ خلق الله تعالى آدم عليه السلام، وعلمه الأسماء كلها وأسجد له الملائكة وأدخله الجنة على ألا يأكل من الشجرة، وأخذ من ظهره ذريته وأشهدها على ذلك، ثم أهبطه إلى الأرض مستخلَفا بشرط إقامة أمر الله فيها، ثم جدد هذه العقود كلها على تعاقب الأجيال بواسطة الأنبياء والمرسلين، كلهم يُذكِّرون بهذه المواثيق ويدعون للوفاء بها، ويُبيِّنون أنها تستوعب جميع تكاليف الدنيا بلاء واختبارا، وتنتظم كل جزاءات الآخرة جنة ونارا، وأنها وصية الله للبشرية وصفقة المبايعة بينه وبينها، وأن وجوب الوفاء بها مطلق إلا إذا أخلت بالعقد مع الله تعالى، يقول الحق سبحانه:
{وَأَفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} البقرة 40
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} الأحزاب 7.
{وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} الحديد 8.
{وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} المائدة 7.
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} البقرة 84.
{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} الإسراء 34.
ثم أناط عز وجل مهمة التذكير بهذه المواثيق والعهود بورثة للأنبياء هم صادقو علماء الأمة وفقهائها، فقال عز وجل {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} آل عمران 187.