فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 278

{مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} . ولفظ {مُصَدِّقًا} من الصدق، ضد الكذب، كما في قوله تعالى: {وَالَّذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} ، والتصديق لغة هو أن تحكم بالصدق [[1] ]، أو أن تنسب الصدق إلى المُخْبِر، كما أن التكذيب هو أن تنسب الكذب إليه، ولا تُطلَق صفةُ المكذِّب إِلَّا على من كذب بالحقِّ، لأَنّها صفة ذمّ، ولكن إِذا قُيِّدت فَقيل مثلا:"مكذب بالباطل"كان التعبير مُسْتَقِيمًا. والمراد من هذه الصفة أن عيسى عليه السلام بعث نبيا مصدقا لما نزل قبله من التوراة على موسى عليه السلام ولما عمل به أنبياء بني إسرائيل من بعده، ومؤيدا لما بقي من شريعته صحيحا أصليا، ومصححا لما طرأ عليه من التحريف والتزييف والتبديل، وممهدا لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم مبشرا بها، وهو ما بينه قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} البقرة 87، وقوله عز وجل: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} الحديد 27، وقوله سبحانه: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} الصف 6. وأبرَزُ دلالات تتابع الرسل وتصديق اللاحق منهم للسابق أنهم جميعا أصحاب رسالة واحدة ودين واحد مصدره واحد وأصوله واحدة وهدفه واحد، وأنهم على تعاقبهم يتمم بعضهم رسالة بعض ويجددها، ويبني آخرهم على بناء أولهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (مَثَلي ومَثَلُ الأنبياء كمثل قَصْرٍ أُحْسِنَ بُنْيَانُهُ تُرِكَ مِنْهُ مَوضِع لبنة فَطَافَ النظَّارُ يتعجَّبونَ من حُسنِ بنيانِه إِلَّا مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ فَكُنْتُ أَنَا سَدَدْتُ مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ خُتِمَ بِيَ الْبُنْيَانُ وَخُتِمَ بِي الرُّسُلُ) .

ولئن كان تصديق عيسى عليه السلام للتوراة متعلقا بكونها حقا كتابا منزلا من عند الله، مؤكدا بذلك وحدة رسالة الأنبياء وجوهر عقيدتهم في توحيد الألوهية والربوبية والصفات، فإن الأمر يختلف في مجال الأحكام الشرعية العملية لأن من التشريعات العيسوية ما نسخ التشريعات

(1) - حروف التصديق هي: نعم، وأجل، وبلى، وإي. نعم: تصديق لما تقدمها من كلام مثبت أو منفي، خبرا كان أو استفهاما، وأجل: يختص بالخبر نفيا وإثباتا، وبلى: إيجاب لما بعد النفي، وإي: لا يستعمل إلا مع القسم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت