{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} وقوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا} من فعل"قفا يَقْفُو"أي اتبع شيئًا، كل معانيه تدور حول التتابع والترادف والتَّواتُرُ والتّعاقب، قال الله عز جل: {وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ، وأطلق لفظ القوافي فِي مجال الشِّعر لأن أبياته يقفو بعضها بعضا في النظم، أَي يتلوه، وقَفَوْتُ الرجلَ وقفوت أثرَه إِذا اتّبعته، وقَفَّيْتُه فلانا، وقفيته بفلان تَقْفِيَةً إذا أتبعته إيَّاه.
وقوله عز وجل: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} أي أتبعنا أنبياء بني إسرائيل بعيسى عليه السلام، على أثرهم وعلى ما ورثوه من التوراة، جئنا به قافيا لهم، بعد أن فسدت عقيدة اليهود، وغيروا ما نزل إليهم من حقائق الدين وشرائعه، وأوغلوا في الفساد تحريفا وسماعا للكذب وأكلا للسحت ومتاجرة بالفتاوى، فكانت هذه التقفية به تجديدا لما لديهم وتصحيحا لما فسد من قلوبهم وعباداتهم وأحكامهم، وسيرا على سنة الله تعالى في تجديد الدين، بتعاقب الرسل والأنبياء عليهم السلام، كلما طال الأمد بقوم وانحرفوا عن نهج نبيهم جدد الله تعالى لهم دينهم بنبي جديد، غايته الأولى عبادة الله عز وجل على أقوم سبيل وأوضح تصور، بعيدا عن الشرك والكفر والجحود مصداقا لقوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} آل عمران 64.
بهذه السنة الإلهية في حفظ الدين بقي باب الهداية مشرعا للناس إلى يوم القيامة، رعاه الرسل والأنبياء عليهم السلام إلى أن ختمت النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتابع الصادقون من العلماء والفقهاء والصالحين رعايته بالتبليغ والتجديد، قال صلى الله عليه وسلم (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةٍ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا) ، وقال: (يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلين) .
لذلك بين الحق سبحانه غاية بعث عيسى إلى بني إسرائيل وميَّزه بصفتين هما مجمل رسالته، أولاهما قوله تعالى: