وبالرغم من هزيمة المسلمين في أُحُدٍ إلا أن النشاط الدعوي للنبي صلى الله عليه وسلم تجلَّى بعد أُحُدٍ، وكذا ازداد حذرُ المسلمين وكثرت استخباراتُهم، وبالرغم من ذلك أُصِيبوا في فاجعتينِ؛ بئر معونة والرَّجيع، من هنا كان دائمًا ولا بد أن يسير النشاطُ الدعوي بالتوازي مع التنظيم العسكري والاستخباراتي للمسلمين؛ بحيث لا ينشغل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالسياسة والعسكرية بما يضر بتليغ الرسالة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في المقام الأول صاحبُ دعوة، قبل أن يكون رئيسَ دولة، ومن ثُمَّ كثرت رسائلُه لملوك الإمبراطوريات وزعماء القبائل المجاورة، وإن كان ذلك بعد أُحُدٍ بفترةٍ ليست بالهيِّنة، بل بعد صلح الحديبية في العام السادس من الهجرة [1] ؛ أي بعد أُحُدٍ بثلاث سنوات، فكان من شأن تقصِّي النبي صلى الله عليه وسلم لأخبار القوم وأهل الكتاب من حوله، ومناقشة أمرهم مع الصحابة، ومدارسته صلى الله عليه وسلم لسورة آل عمران معهم، كل ذلك كان بمثابةِ تمهيدٍ لمخاطبة أهل الكتاب ودعوتهم للإسلام، وهو الأمر الذي أسهَم في الوصول إلى ذلك، وكان منهم مَن أجابه دون قتال، فأرسل إليه ثانيةً يُخبِره ماذا عليه أن يفعل كما فعل مع المنذر بن ساوى - وكان قد أقبل في وفد إياس بن عبدالقيس من النصارى [2] - كتب إليه وقال: (( مَن صلَّى صلاتنا، واستقبل قِبْلَتنا، وأكل ذبيحتَنا، فذاكم المسلم، له ذمة الله وذمة الرسول صلى الله عليه وسلم ) ) [3] .
كما أرسل برسائله وخطاباته إلي النجاشي ملك الحبشة، والمقوقس ملك مصر، وكسرى ملك فارس، والمنذر بن ساوَى حاكم البحرين، وهوذة بن علي صاحب اليمامة، والحارث بن أبي شمر الغسَّاني صاحب دمشق، وجَيْفَر وأخيه عبد ابنَي الجُلَنْدَى ملك عُمَان، شُرَحبيل بن عمرو ملك البصرة [4] .
وهكذا كان في نزول سورة آل عمران وحكايتها لأمر عيسى ابن مريم استثارةٌ للقبائل المجاورة من النصارى، ليَفِدُوا على النبي صلى الله عليه وسلم يسألوه ويناقشوه فيما أنزل عليه من أمر عيسى ابن مريم، فكانت السورة
(1) أكرم بن ضياء العمري، عصر الخلافة الراشدة، محاولة لنقد الرواية التاريخية وَفْق منهج المحدثين ج 1 ص 387.
(2) الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبدالبر ج 1 ص 454، الإصابة في تمييز الصحابة ج 6 ص 214.
قدم وفد عبدالقيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم الجارود بن عمرو، وكان نصرانيًّا فأسلم، وأسلم مَن معه، وكان الجارود حسنَ الإسلام، نهى قومه عن الردة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، لَمَّا ارتدوا مع الغرور، وهو المنذر بن النعمان، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي قبل الفتح إلى المنذر بن ساوى العبدي، فأسلم وحسن إسلامه، ثم هلك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل ردة أهل البحرين، والعلاء أمير لرسول الله على البحرين.
(3) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج 20 ص 355 رقم 17595، وهو مرسل؛ انظر: فتح الباري لابن رجب ج 2 ص 287، والحديث رواه البخاري في صحيحه ج 2 ص 150 رقم 378 من قوله صلى الله عليه وسلم، وليس من كتبه.
(4) الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 1 ص 316، البدء والتاريخ لابن المطهر ج 1 ص 254.