بمثابة توجيهِ النشاط الدعوي إليهم لعلهم يهتدون للإسلام، خاصة وقد طال العهد بقريش ولم تزل على حربِها مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى فتحها في آخر عهده المدني وقبيل وفاته.
بَيْدَ أن طائفةً أخرى من أهل الكتاب ظلَّت على حالها من العداوة للمسلمين ولم يسلم المسلمون من أذاهم - بالقول تارة، وبالفعل تارة أخرى - فبالرغم من مُوادعة النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وإجابتِه لطلبهم بأن أرسل أبا عُبَيدة بن الجراح إليهم أمينًا.
فعن حذيفةَ رضي الله عنه قال: جاء أهل نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث لنا رجلًا أمينًا فقال: (( لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حق أمين ) )، فاستشرف له الناس، فبعث أبا عبيدة بن الجراح [1] .
فإنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم شرَّهم، يقول صلى الله عليه وسلم: (( شر قبيلتين في العرب نجران وبنو تغلب ) ) [2] .
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: (( أخرِجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب ) ) [3] ؛ حيث لم يكفُّوا عن تأليب المنافقين على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أعدائه عليه، كما لم يكفَّ المنافقون بدورهم عن تأليبهم على المسلمين.
فعن أبي عبيدة قال: آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم: (( أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب ) ) [4] .
وقد علم المُلهَم عمر بن الخطاب ذلك، واستشعر غدر بعضهم أو قرب خيانتهم، ومحاولاتهم المضللة لمنع الجزية، بالرغم من أنهم لا يشاركون في الجهاد مع المسلمين، فضاعف عليهم الجزية لأجل ذلك، وليس أدلَّ على ذلك مما أخرجه أبو عُبَيد في كتاب الأموال من طريق السفاح عن النعمان بن زرعة أنه سأل عمر بن الخطاب وكلمه في نصارى بني تغلب، قال: وكان عمر رضي الله عنه قد همَّ أن يأخذ منهم الجزية، فتفرَّقوا في البلاد، فقال النعمان بن زرعة لعمر: يا أمير المؤمنين، إن بني تغلب قوم عرب يأنفون من الجزية، وليست لهم أموال، إنما هم أصحاب حروث ومواشٍ، قال: فصالحهم عمر رضي الله عنه على أن تضعف عليهم الصدقة واشترط عليهم ألا يُنصِّروا أولادهم [5] .
(1) رواه البخاري ج 13 ص 285 رقم 4030.
(2) رواه أحمد ج 32 ص 188 رقم 19442 وصححه الألباني، السلسلة الصحيحة ج 8 ص 134 رقم 3127.
(3) السلسلة الصحيحة ج 3 ص 124 رقم 1132.
(4) رواه أحمد ج 4 ص 112 رقم 1599، السلسلة الصحيحة ج 3 ص 124 رقم 1132.
(5) عون المعبود ج 8 ص 201.