المطلب الرابع
التأكيد على أن الإسلام شريعة ناسخة لما سبقها من شرائع مع التأكيد على وحدة مقاصد الشرائع جميعًا
الآيات من (92) - (97) :
قال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ * كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 92 - 97] .
إذا ما استنفد المسلمون المراحل الثلاث السابقة في دعوة أهل الكتاب، والتي تبدأ بالحوار والمجادلة والمحاجاة، ثم كشف زيغ قلوبهم وضلالهم وفضحهم للناس، ثم بيان وحدة الدين وعدم المساس بعقيدة الإسلام - شرع المسلمون بعد ذلك في دعوتهم ببيان أحكام الشريعة الإسلامية لهم بصورة مجملة، حيث إن التفصيل لا مجال له في مبتدأ الأمر، وإنما يتعين لشرح الأمور التفصيلية التدرج في الخطاب والتمهل - كما أسلفنا - والمقصد هنا أن يتعلموا أن شريعة الإسلام ناسخة للشرائع التي سبقتها، مع التأكيد على وحدة مقاصد الشرائع جميعًا، ويتضح ذلك من خلال ما يلي:
أولًا: مقاصد الشريعة تصل بالإنسان إلى مرتبة البر والإيثار:
المقصد الرئيسي لتشريعات الإسلام العملية والمنهجية هو الارتقاء بالإنسان إلى مرحلة البر التي لا يبلغها من بذل خيرًا أو أنفق خيرًا، وإنما الذي بذل كل الخير الذي معه، ولو كان له به خصاصة، {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ، فهذه هي شريعة الإسلام بإجمال، والإنفاق المقصود في الآية ليس هو الإهلاك للمال، وإنما الإنفاق الاقتصادي في أوجه البر والخير.
فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أصبت مالًا لم أصب مثله قط، كان لي مائة رأس فاشتريت بها مائة سهم من خيبر من أهلها، وإني قد أردت أن