ولَمَّا كان المسلمون يجهلون عقائدهم الفاسدة، ولا يأبَهون بهم ولا لهم اكتفاءً بما نزل عليهم من الكتاب وما معهم من الحكمة يتلقونها من شفاه النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم لَمَّا كانوا أصحابًا لهذه الدعوة، فقد منحهم الله تعالى دورة تثقيفية مكثَّفة لأجل أن يفتحوا أبوابًا للحوار مع أهل الكتاب، وهم على بينة من أمرهم، وكان فضول الصحابة أسبق من أن تنزل آيات القرآن لتحكي لهم عن عقائد النصارى وشريعتهم، بقدر ما يحتاجون لأجل مخاطبتهم وإصلاح ما فسد من أمرهم، فعن جابر بن عبدالله أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه النبي صلى الله عليه وسلم فغضِب، فقال: (( أمُتَهوِّكون فيها يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيدِه لقد جئتُكم بها بيضاءَ نقيَّةً، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتُصدِّقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حيًّا ما وسِعه إلا أن يتَّبِعني ) ) [1] .
الأمر الذي لأجله تنزلت آيات هذه السورة لتُبيِّن للمسلمين ضلال أهل الكتاب في الاعتقاد، وشبهاتهم حول أمر هذا الدين، من خلال حكاية قصة آل عمران وعيسى ابن مريم وأمه، الأمر الذي يجعل الداعية على بينة من أمرهم ليتمكن من هدم حججهم، فضلًا عن أن يكون المسلمون أنفسهم بمنأى عن شبهاتهم وضلالاتهم.
والأمر الثاني بيان كَيْد أهل الكتاب ونفاقهم للذين آمنوا، وتلبيسهم الحق بالباطل، ومكرهم وخداعهم للمسلمين، وموالاتهم لليهود والمنافقين، وذلك حتى لا ينخدع المسلمون فيهم باعتبارهم أهل كتاب، وهم لا يعرفون من كتبهم إلا اسمها بعد أن طالها التحريف والتبديل.
والجدير بالذكر أنه وإن اهتمَّت سورة البقرة بعرض قصص بني إسرائيل وسوء تأدُّبِهم مع أنبيائهم، فإن سورة آل عمران عرَضت لقصص النصارى من أهل الكتاب وضلالهم في عقائدِهم، ولَمَّا كان اليهود معاصرين للنصارى، وهم أكبر يدٍ عون لهم، ومن ثَمَّ عرضت كذلك لهم من باب وحدة المعسكر المضاد للإسلام، ولذلك جاء الخطاب القرآني شاملًا الفريقين بوصفهما (أهل الكتاب) ، فأكثرت من ندائهم وذكرهم بهذا الوصف (أهل الكتاب) في اثنَي عشر موضعًا، وهو أدب قرآني في خطاب الذين كفروا حال دعوتهم للإسلام؛ حيث يصفهم بأفضل ما معهم، ولا يصفهم بأقبح ما هم عليه، فتوجهت في خطابها لأهل الكتاب بالرفق واللين المصاحب بالعتاب والتوبيخ.
(1) رواه أحمد في مسنده ج 30 ص 173 رقم 14623 وحسنه الألباني: إراواء الغليل ج 6 ص 34 رقم 1589، وقال: الحديث قوي له شواهد كثيرة، مختصر إرواء الغليل ج 1 ص 314 رقم 1589.