منهم على وجه الخصوص؛ حيث كشفت غزوة أحد عن أول ظهور لهم - وإن كانوا لا يُبْدُون ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، ويُضمِرون ما في صدورِهم - ليدخلوا طرفًا في الصراع بين الحق والباطل، فبعد أن كادَتِ المعركةُ تنحَسِرُ بين المسلمين واليهود في أول الأمر داخل المدينة، وبين النبي والمشركين خارجها، بدا أول ظهور لزعماء النصارى وأربابِهم في الصراع - ومن قبلهم اليهود في قُرَيظة وبني قَيْنُقاع وبني النَّضير وخيبرَ، ليظلَّ صراعًا فكريًّا، وإن اتخذ صورا تبعد في أغلبها عن أي احتكاك جسدي اللهم إلا في مؤتة وتبوك، حتى وَادَع كثير منهم النبي صلى الله عليه وسلم وهادنهم، فكان منهم بنو نجران أقبلوا عليه في وفد العام التاسع من الهجرة، وقد بعث معهم أمين الأمة أبا عبيدة بن الجراح.
فعن جابر: أن وفد نجران أتَوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما تقول في عيسى ابن مريم؟ فقال: (( هو روح الله وكلمته، وعبدالله ورسوله ) )، قالوا له: هل لك أن نلاعنك أنه ليس كذلك؟ قال: (( وذاك أحب إليكم؟ ) )، قالوا: نعم قال: (( فإذا شئتم ) )، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وجمع ولده والحسن والحسين، فقال رئيسهم: لا تلاعنوا هذا الرجل، فو الله لئن لاعنتموه ليخسفن أحد الفريقين، فجاؤوا فقالوا: يا أبا القاسم، إنما أراد أن يلاعنك سفهاؤنا، وإنا نحب أن تعفينا قال: قد أعفيتكم، ثم قال: (( إن العذاب قد أظل نجران ) ) [1] .
وفي روايةٍ عن حذيفة قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يُلاعِناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعَل، فوالله لئن كان نبيًّا فلاعنَّا لا نُفلِح نحن ولا عَقِبُنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعَث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال: (( لأبعثنَّ معكم رجلًا أمينًا حق أمين ) )، فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (( قم يا أبا عبيدة بن الجراح ) )، فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هذا أمين هذه الأمة ) ) [2] .
قال ابن كثير: (إن الأسقفَ أبا الحارث أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيد والعاقب ووجوه قومه، فأقاموا عنده يسمعون ما ينزل الله عليه، وكتب للأسقف هذا الكتاب ولأساقفة نجران بعده:
(( بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي، للأسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل وكثير، جوارُ الله ورسوله، لا يُغيَّر أسقف من أسقفته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، ولا يُغيَّر حق من حقوقهم ولا سلطانهم، ولا ما كانوا عليه من ذلك، جوار الله ورسوله أبدًا ما أصلحوا ونصحوا عليهم غير مبتلين بظلم ولا ظالمين) [3] .
(1) رواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 649 رقم 4157.
(2) رواه البخاري ج 13 ص 284 رقم 4029.
(3) البداية والنهاية لابن كثير ج 5 ص 67.