السواد والجزيرة، ومنهم مَن سكن الشام، وتنصر عدد كبير من قبيلة طيِّئ، منهم عدي بن حاتم الطائي، وتسرَّبت النصرانية إلى الحِيرة، منطقة المناذرة، على الرغم من تبعيَّتِها للفُرس المجوس، ومن الحِيرة والشام تسرَّبت النصرانية إلى كثير من المدن والمحلات، منها دومة الجندل، وأيلة، وتَيْماء، واليمامة، وغيرها) [1] .
فالنصارى كطوائفَ انقسموا إزاءَ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى فريقين، ولم يؤمن بدعوته إلا قليل، وعلى رأس مَن آمن منهم صُهَيبٌ الرومي، وتَميمٌ الداري، والنَّجاشي الحبشي رضي الله تعالى عنهم.
أما الفرقتان الأخريان:
ففرقة صالحت النبي صلى الله عليه وسلم على أن يتركهم وشأنهم مقابل الجزية، والتي بأدائها يُصبِحون من أهل الذمة، فيُأمَنون في أوطانِهم وأموالِهم وديارهم وأهلهم؛ مثل نصارى نجران، ونصارى دومة الجندل.
وفريق رفضوا مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم وجاهروا بمحاربته، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن أرسل السرايا لقتالهم، فكانت أول مواجهة قتالية بين المسلمين والنصارى في مؤتة، ثم عزم النبي صلى الله عليه وسلم على مواجهتِهم في تبوك، لكن الله تعالى لم يُقدِّر قتالًا، ثم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم سارت الجيوشُ الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، ففتحت كثيرًا من بلاد النصارى، وأخضعتها لسلطان الإسلام، ورفعت عن أهلها تعسُّف الرهبان، وتسلُّط القياصرة، واعترف كثير من المؤرِّخين النصارى بأن المسلمين كانوا أرحم بهم من ساستهم ورهبانهم [2] .
وبالرغم من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مشغولًا بردِّ عدوان المشركين - وبخاصة مشركي مكة - على المسلمين، وقد بلغ عداؤهم للنبي صلى الله عليه وسلم أَوْجَهُ وأشُدَّه بعدما حدث لهم في بدرٍ، وفي الوقت الذي استشعر الكثير ممَّن لم يدخُلوا الإسلام في المدينة المنورة أنه قد فاتَهم كثير من المغنم؛ إذ لم يلحقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في بدر، ومن ثَمَّ بادر كثير منهم للخروج في أُحُدٍ، وبالرغم مما وقع للمسلمين في أحد - ولا شك أن (أُحدًا) كانت درسًا عظيمًا للمؤمنين؛ حيث كشفت عن كثير من عيوب الصف المسلم، وكشفت المنافقين، وأظهرتهم للمسلمين - فقد استفاد المسلمون من كل هذه الأحداث لتمتد دعوة الإسلام إلى أطراف أخرى، وقد ظهر تجرُّؤ أهل الكتاب على المسلمين - بعد أُحُدٍ حتى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم - إلى أن وصل بهم الحال أن سبُّوا الله جهارًا نهارًا، وقالوا: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64] ، ولذلك تنَزَّلت آيات القرآن لتحاجَّ أهل الكتاب، والنصارى
(2) الدكتور/ إبراهيم الحقيل، عَلاقة المسلمين بالنصارى: