فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 177

كن، فكان، سبحانه وتعالى، وبيَّن أصل ميلاد أمه مريم، وكيف كان من أمرها، وكيف حملت بولدها عيسى) [1] .

وكما أن سورة البقرة تناولت ذكر المغضوب عليهم من اليهود لكتمانِهم، الحق رغم علمهم به مثلما يعلمون أبناءهم، فإن سورة آل عمران تحدثت عن الضالين من عبَّاد المسيح، وإن أردنا أن نكون أكثر إنصافًا نقول: الظالمين من رهبانهم وقساوستهم، الذين ضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ولأنهم يعملون بخبث ودهاء شديدينِ، ويشهد لذلك قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71] ، فقد غفل الكثير من الكتاب والمفكِّرين والمؤرِّخين عن اعتبارهم إحدى القوى المضادَّة للإسلام، حتى إن الدكتور راغب السرجاني يقول:(بعد غزوة أُحد، وهذه الهزيمة القاسية أمام قريش، فقد أُصِيب المسلمون بالضعفِ، وتجرَّأ الأعداء عليهم، وأحاطت بهم بعض النكبات، التي راح ضحيَّتها بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأُرِيقت دماؤهم الزكية؛ نتيجة تجرُّؤ بعض القبائل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعالَوا ننظر إلى أعداء الأمة الإسلامية بعد موقعة أُحد، فسوف نرى أنهم أربع قوى:

الأولى قريش، الثانية المنافقون، الثالثة اليهود، الرابعة القبائل العربية حول المدينة) [2] .

والحقيقة أن كلامه ينقصُه بعض الدقة؛ لأنهم كانوا قوة لا يُستهان بها، ولكنها كانت قوَّة منظَّمة تمثَّلت في إمبراطورية الروم العظمى وقتها، وكذا في الحبشة، ولم يتفرَّغ لهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينتبِهوا لتهديدِه صلى الله عليه وسلم عرشَهم إلا في أواخرِ حياته وسيرته العطرة، وذلك لما تقابلا في مؤتةَ في جمادى الأولى من العام الثامن للهجرة، وتبوك بشهر رجب العام التاسع من الهجرة، ولم يُوادِعهم النبي صلى الله عليه وسلم إلا في آخر عهده لما وادع وفد نجران، وأرسل معهم أمين الأمة أبا عبيدة بن الجراح، بعدما تركوا ملاعنته أو مباهلته.

يقول الدكتور جابر قميحة:

(كان انتشارُ النصرانية في الشام أوقع وأوسع، بحكم قرب هذه المناطق من الإمبراطورية الرومية التي كانت النصرانيةُ دينَها الرسمي، فتنصَّر الغساسنة، وأصبحوا قوة عسكرية يعتمد عليها الروم، ويشتركون معهم في القتال، وكذلك قبائل أخرى مثل كلب، وقُضاعة، وجُذام، وعاملة، وتنصَّرت قبائل إياد، ومنهم مَن سكن

(1) البداية والنهاية لابن كثير ج 2 ص 66.

(2) د/راغب السرجاني، مقال منشور على الموقع الإلكتروني: حكاية الإسلام، بعنوان بعث الرجيع ومأساة بئر معونة. www.islamstory.com.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت