فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 177

بل وذكرت أمانة بعضهم دون بعض، كما في قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75] ، ولذلك كان الخطاب لهم هينًا لينًا، لعل الله تعالى يُظهر منهم الإسلام، فينضمُّوا إلى صفوف المرابطين في سبيل الله، مثلما كان الأمر فيما مضى من أنصار عيسى ابن مريم الذين سُمُّوا بالحواريين: {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 52 - 53] .

كما ذكَّرتهم والمؤمنين بما كان من أسلافهم الصالحين: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] .

ولم تقطع الأمل فيهم، وإنما بشرت المؤمنين بأن منهم مَن يبادر للإسلام، ولذلك اختتمت السورة ببيان إيمان الكثير منهم، قال سبحانه: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ ... } [آل عمران: 199] .

قال الطبري:

(عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(( إن أخاكم النجاشي قد مات فصلُّوا عليه ) )، قالوا: يُصلَّى على رجل ليس بمسلم! قال: فنزلت: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} [آل عمران: 199] " [1] ."

ولَمَّا كان مجتمع المدينة فيه من المنافقين ما لا يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم أمرُهم، ولكنه كان يتستَّر عليهم لأجل ألا تقع فتنة بين المسلمين، ويقولوا إن محمدًا يقتل أصحابه، فإن الله تعالى فضحهم في أكثر من مناسبة، ولعل أكثر المناسبات فضحًا لهم حال الجهاد في سبيل الله، يقول سبحانه: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ... } [آل عمران: 167] .

ولم يكن الأمر قاصرًا على المنافقين داخل المدينة المنورة، بل كان كثيرٌ من القبائل يهادن النبي صلى الله عليه وسلم ويكتمُ في قلبه النفاق له، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدِم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعتُه، وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: (( لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتُكها، ولن تعدو

(1) رواه النسائي في سننه الكبرى: ج 3 ص 319 رقم 11088، انظر تعليق الألباني: السلسلة الصحيحة 7/ 97، وصححه في السلسلة الصحيحة ج 8 ص 51 رقم 3044.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت