[ثُبُوتُ بَرَاءَةِ عَائِشَةَ الصّدّيقَةِ] قالَ: وَأَيْضًا فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ (كَانَ هُوَ الْمَقْصُودَ بِالْأَذَى وَاَلّتِي رُمِيَتْ زَوْجَتُهُ فَلَمْ يَكُنْ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَشْهَدَ بِبَرَاءَتِهَا مَعَ عِلْمِهِ أَوْ ظَنّهِ الظّنّ الْمُقَارِبَ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَتِهَا وَلَمْ يَظُنّ بِهَا سُوءًا قَطّ وَحَاشَاهُ وَحَاشَاهَا ..
قالَ: وَلِذَلِكَ لَمّا اسْتَعْذَرَ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ قَالَ (مَنْ يَعْذِرُنِي فِي رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي وَاَللّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إلّا خَيْرًا وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إلّا مَعِي) - فَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْقَرَائِنِ الّتِي تَشْهَدُ بِبَرَاءَةِ الصّدّيقَةِ أَكْثَرَ مِمّا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ - وَلَكِنْ لِكَمَالِ صَبْرِهِ وَثَبَاتِهِ وَرِفْقِهِ وَحُسْنِ ظَنّهِ بِرَبّهِ وَثِقَتِهِ بِهِ وَفّى مَقَامَ الصّبْرِ وَالثّبَاتِ وَحُسْنِ الظّنّ بِاَللّهِ حَقّهُ حَتّى جَاءَهُ الْوَحْيُ بِمَا أَقَرّ عَيْنَهُ وَسَرّ قَلْبَهُ وَعَظّمَ قَدْرَهُ وَظَهَرَ لِأُمّتِهِ احْتِفَالُ رَبّهِ بِهِ وَاعْتِنَاؤُهُ بِشَأْنِهِ [1] .
(المسلمون تجاه الصحابي الجليل حسان بن ثابت) قال ابن كثير -رحمه الله-: إنه من الصحابة الذين كان لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن محاسنِهِ أنه كان يَذُب عن رسول الله (بشعره، وهو الذي قال له رسول الله (:(هَاجِهِم وجبريل معك) . وقال الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق قال: كنتُ عندَ عائشة، رضي الله عنها، فدخل حسان بن ثابت، فأمرت فألقي له وسادة، فلما خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا؟ يعني: يدخل عليك -وفي رواية قيل لها: أتأذنين لهذا يدخل عليك، وقد قال الله: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ؟ قالت: وأيُّ عذاب أشدّ من العمى -وكان قد ذهب بصره- لعل الله أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم. ثم قالت: إنه كان يُنافحُ عن رسول الله (.
وفي رواية أنه أنشدها عندما دخل عليها شعرا يمتدحها به، فقال:
حَصَان رَزَانٌ ما تُزَنُّ بريبة *** وتُصْبح غَرْثَى من لُحوم الغَوَافل
فقالت: أما أنت فلست كذلك. وفي رواية: لكنك لست كذلك [2] .
* روى ابن جرير الطبري -رحمه الله-: عَنْ عَامِرٍ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا سَمِعْتُ بِشَيْءٍ أَحْسَنَ مِنْ شِعْرِ حَسَّانَ، وَمَا تَمَثَّلْتُ بِهِ إِلاَّ رَجَوْتُ لَهُ الْجَنَّةَ، قَوْلُهُ لِأَبِي سُفْيَانَ:
(1) (زاد المعاد) (3/ 231) .
(2) أخرجه البخاري (4146) .