فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ (مَجْلِسَهُ [1] وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ (عَلَى نَبِيِّهِ (، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ [2] ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ [3] مِنْ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (-وَهُوَ يَضْحَكُ - فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: «أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ» . فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} عَشْرَ آيَاتٍ [4] ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ بَرَاءَتِي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ؛ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى} إِلَى قَوْلِهِ {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} . فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ: لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ (سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ -زَوْجَ النَّبِيِّ (- عَنْ أَمْرِي: «مَا عَلِمْتِ» ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي [5] ، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ [6] ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا [7] ، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ.
قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ وَتَقُولُ: فَإِنَّهُ قَالَ:
(1) أي ما فارقه؛ ومصدره"الريم".
(2) "البرحاء"قيلَ هو: شدة الحمى وقيل شدة الكرب؛ ووقع في رواية إسحاق بن راشد (وهو العرق) وبه جزم الداودي وهو تفسير باللازم غالبًا.
(3) "الجمان"هو اللؤلؤ وقيل: حب يعمل من الفضة كاللؤلؤ .. فشبهت قطرات عرقه صلى الله عليه و سلم بالجمان لمشابهتها في الصفاء والحسن.
(4) قال ابن حجرٍ: لعل في قولها العشر الآيات مجازًا بطريق إلغاء الكسر, وقال: تحرير العدة سبع عشرةَ؛ وذلك إن كانَ إلى قولهِ تعالى"ورزقٌ كريمٌ".
(5) أي أصون سمعى وبصرى من أن أقول سمعت ولم أسمع وأبصرت ولم أبصر.
(6) أي كانتْ زينبُ تعاليني .. من السمو وهو العلو والارتفاع أي تطلب من العلو والرفعة والحظوة عند النبي صلى الله عليه وسلم ما أطلب أو تعتقد أن الذي لها عنده مثل الذي لي عنده وليسَ هو من"سوم الخسف"الذي هو: حملُ الإنسانِ على ما يكرهه. والمعنى (تغايظني!) فإنه بعيدٌ.
(7) أي جعلت تتعصب لها فتحكي ما يقوله أهل الافك.