وداعًا 2012
ودَّعْنا عامًا واستقبلنا عامًا آخر؛ ودَّعنا عامًا بحلوِه ومُرِّه، بخيره وشرِّه، بحسناتِه وسيئاته، بسلبياته وإيجابيَّاته، ودَّعنا عامًا كان مثيرًا وكان ساخنًا في أحداثِه ومواقفه وساعاته، واستقبلنا عامًا آخر، نسأل الله أن يكون عامًا طيبًا مثمرًا، يحمل الخير لمصر والمصريين، للإسلام والمسلمين.
محطة إيمانية نتزوَّد منها بين عام مضى وآخر أتى، مع أننا - نحن المسلمين - يجب أن نحتفيَ بالتاريخ الهجري، ونؤرِّخ بالتاريخ الهجري، أما الميلادي، فهو تاريخ الفرنجة يتخلَّله أعياد اليهود والنصارى!
إن الله جعل الحياة متعادلة، لا تَسِير على نمطٍ واحد، ولا تَمشِي على وتيرةٍ واحدة، ولكنها متقلِّبة، فالجو يصحو ويغيم، والصحة تقوَى وتضعُف، والأيام تُقبِل وتُدبِر، والنجوم تظهر وتأفل، وربك يخلق ما يشاء ويختار، وكل شيء عنده بمقدار!
والمسلم الحقُّ الذي يحيا بين هذه التقلبات مؤمنًا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلَّى الله عليه وسلم - نبيًّا ورسولًا، يعرفُ ربَّه؛ فلا يستعين إلا به، ولا يتوجه إلا إليه، لا يعبد غيره ولا يستعين بسواه، يردِّد دائمًا في مصلاه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] ؛ فلا يتحوَّل بتحوُّل الأيام، ولا يتردَّد مع مرور الأعوام؛ وإنما يحيا صلبَ العود، رابطَ الجأش، قويَّ الإيمان، واثقًا في نصر الله؛ فيحيا في هذه الأرض عبدًا حرًّا لله لا لأحد سواه.
الإنسان من طبيعتِه النسيان؛ لأنه لو تذكَّر ما ألَمَّ به من آلام وأحزان، وما أحاطه من مكايد وشدائد؛ لكَرِه العيش، وسئم الحياة، إنما رَحِمه الله فجَعَله يتذكَّر القريب، فإذا ضربه الزمن بأيامه ولياليه، فإن الأيام تنتهي، والساعات تنقضي، والجروح تندَمِل، والأحزان تنمحي، ويُشغَل الإنسان بحاضره، لكن هل ما ينساه الإنسان ينساه الملك الديَّان؟! كلاَّ، ثم كلاَّ! فالإنسان مراقَب على مدار اللحظة! وتسجِّل ما يترك حتى يوم العرض الأكبر، لا جيوب ولا نتوءات، لا خزائن ولا حصَّالات: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18] ، هناك ينطق ما سجلت، ويخرج ما طبعت! {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29] ، عملُك ينسخ في آلة إلهية لا تضل ولا تنسى، ويحفظ في مكان مأمون لا يُتلَف ولا يسرق، ولا يصادر، ولا يتغيَّر بتغير المناخ من أعاصير أو رياح، كلا! وإنما: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8] .