الصفحة 134 من 157

حقبته الزمنية:

عاش كوبرنيك في أواخر القرن الخامس عشر، وبداية القرن السادس عشر الميلادي، والذي سمي بعصر البعث، أو عصر الإحياء، أو عصر إعادة الولادة، ولنا أن نتساءل: بعث ماذا؟ وإحياء ماذا؟ والولادة الثانية لمن؟

الجواب بكل بساطة: هو بعث حضارة الأجداد، وإحياء ثقافة الآباء القدامى، وهي الحضارة الإغريقية والرومانية، وحتى الحضارة الفرعونية والبابلية والفينيقية إلخ ...

فالأوروبيون في هذه الحقبة قد بلغوا حد الافتتان بكل ما هو إغريقي وروماني، في كل مجالات الحياة، وقد بالغوا إلى حد الغلو في الرفع من قيمة هؤلاء، وتخليد ذكراهم، فهؤلاء مشاهيرهم وعلماؤهم كانوا يتخذون ألقابًا يتسمون بها باللغة الإغريقية والرومانية، كما دأبوا على تسمية المكتشفات بأسماء آلهة الوثنيين القديمة، في عملية بعث حقيقية لهذه المعبودات، فمثلًا: قاليليو قاليلي سمى أقمار المشتري بأسماء عشيقات الإله زيوس (زيوس هو كبير الآلهة عند الإغريق، وهو عندهم إله السماء والرعد، قاتل والده كورونوس وانتصر عليه، كان زوجًا لأخته حيرى، والتي كانت شديدة الغيرة عليه، هكذا آلهتهم تكرس في النفس البشرية أقبح المعاني والأخلاق السافلة الوضيعة) ، وهذا ريتيكوس تلميذ كوبرنيك يبدأ كتابه بعنوان"خطاب بروسيا"بالرجوع لآلهة الرومان، ويشير إلى أن الكهرمان كان هدية من الآلهة، وهذه الكواكب الجديدة المكتشفة في المجموعة الشمسية تسمى بأسماء الآلهة مثل بلوتو ونبتون، ومازال هذا دأب الغربيين إلى اليوم.

في البداية اصطدم هذا التوجه مع بقايا التوحيد الوافد من الشرق ضمن التعاليم المسيحية، والذي كان يأمر ببغض هؤلاء الأجداد الوثنيين، ويجرمهم، ويعدهم بالخلود في العذاب المهين، ويعتبر الوثني أدنى قيمة من الموحد.

لذا فكان من الضروري إعادة صياغة الوعي الغربي، والتخلص من مرجعية الوحي، بحيث يمكن إعطاء الأجداد القدامى المكانة التي يستحقونها، بحثًا عن العزة والتمكين، من خلال الاقتداء بهم، والاهتداء بهديهم، لذا أنشئت حركة الأنسنة humanism والتي تعهدت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت