الصفحة 80 من 84

استبدال ما سموه:"الوحدة العضوية"به، وعلى رأس هؤلاء الناقد والشاعر العملاق عباس محمود العقاد في الكتاب الذي ألفه هو وصديقه إبراهيم المازني في شبابهما مطلع العقد الثالث من القرن المنصرم وسمياه:"الديوان في الأدب والنقد"، وكان رأيه، رحمه الله، أن القصيدة عند شوقي لا تزيد عن أن تكون كومة من الرمل المتهايل، ومن ثم فمن الممكن تقديم ما نشاء من أبياتها أو تأخيره حسبما يحلو لنا دون أن يختل لها نظام، على حين أن القصيدة الحقَّة ينبغي أن تكون"كالبناء المقسَّم الذي ينبئك النظر إليه عن هندسته وسكانه ومزاياه" [1] .

على أن بناء القصيدة لا يتعلق فحسب بما تتناوله من موضوعات، بل هناك أيضًا البناء الموسيقي، ومعروف أن القصيدة العربية ظلت أعصرًا طويلة تسير على وتيرة الوزن الواحد والقافية الواحدة من أولها إلى آخرها، ثم جدت بعد ذلك أبنية موسيقية أخرى فكانت المزدوجات والمسمطات والموشحات والرباعيات، وهي طُرزٌ من البناء الموسيقي أكثر تعقيدًا من البناء القديم ذي اللون الواحد، ثم جاء العصر الحديث فاعترى القصيدةَ العربية تطور عنيف، حاد بها عن اتباع البحور الخليلية إلى الاكتفاء بتكرار تفعيلة واحدة من التفاعيل التي تتكون منها هذه الأبحر تكرارًا يختلف من سطر إلى سطر دون نظام مطرد: فمرة يكتفي بإيراد التفعيلة مرة واحدة في سطر من السطور، لنفاجأ بها وقد تكررت خمسًا مثلًا في السطر الذي يليه، ثم ثلاثًا أو ستًّا أو ثماني في السطر الذي بعد ذلك .. وهلم جرًّا، وعلى نفس النحو من اللانظام تجري تقفية القصيدة، وقد أُطلق على هذا اللون الجديد من الإبداع الشعري:"شعر التفعيلة"، أو"الشعر الجديد".

وكما أن هناك بناءً للقصيدة، كذلك هناك بناء للعمل القصصي؛ فهو مجموعة من الحوادث آخذ بعضها برقاب بعض بحيث يكون كل منها نتيجة طبيعية لما سبقه، وعلة منطقية لما يليه، وهذه الحوادث تقع مِن أَوْ لأشخاص مِن البشر صفاتهم وقدراتهم كصفات الناس من حولنا وقدراتهم، وتُحركهم نفس البواعث والدوافع التي تحرك هؤلاء، ولا بد أن يكون هناك اتساق بين تصرفات هؤلاء الأشخاص وأفكارهم وكلامهم وبين ظروفهم الاجتماعية والنفسية ومستواهم العقلي والثقافي والذَّوقي، كذلك ينبغي مراعاة مبدأ الاختيار والتركيز؛ إذ يستحيل نقل الحياة كما هي في الواقع اليومي بكل تفاصيلها، ومن هنا قيل: إن المطلوب هو"الإيهام بالحياة"لا نقلها نقلًا أمينًا لا يغادر صغيرة منها ولا كبيرة إلا أحصاها، وينبغي، بالإضافة إلى هذا، العمل على إقامة توازن بين عناصر الفن القصصي من سرد وحوار ووصف وتحليل، وكذلك بين بدايته ووسطه وخاتمته ... إلخ، ومن الأعمال القصصية ما يكون تصميمه مطابقًا لمجرى الزمن الطبيعي؛ أي: يبدأ من أبعد نقطة في الماضي، ثم يتقدم مع الحوادث إلى الأمام، إلى أن تنتهي القصة، وهناك تصميم قصصي آخر يسير عكس هذا الاتجاه؛ أي: من نهاية القصة إلى أولها، ليعود في

(1) الديوان في الأدب والنقد/ ط 3/ دار الشعب/ 130 - 132.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت