إذا أُطلقت كلمة"الذَّوق"ومشتقاتها انصرف الذهن من فوره إلى الطعام والشراب، وتذوق الإنسان لهما عن طريق الفم، واللسان هو حاسة التذوق، ومن هنا رأينا"لسان العرب"مثلًا يفسر"المذاق"بأنه"طعم الشيء"، و"الذواق"بـ"المأكول والمشروب"، كما جاء في"التعريفات"للجرجاني أن"الذَّوق"هو قوة منبثة في العصب المفروش على جرم اللسان، تُدرك بها الطعوم بمخالطة الرطوبية اللعابية في الفم للطعوم ووصولها إلى العصب، وبالمثل نجد"المعجم الوسيط"يحدد"الذَّوق"بأنه"الحاسة التي تُميز بها خواصُّ الأجسام الطعمية بوساطة الجهاز الحسي في الفم، ومركزه اللسان".
فالكلمة ذاتُ أصل مادي ككثير من الكلمات الأخرى، كما هو واضح، ثم اتسع معناها بحيث لم تعُدْ تقتصر على الطعام والشراب فقط، بل أصبحت تُطلق أيضًا على ما يدركه الإنسان من خلال حواسه الأخرى، ثم ما يدركه بعقله ووجدانه، وقد نص"لسان العرب"مثلًا على ذلك بقوله:"مِن المجاز أن يُستعمل الذَّوق، وهو ما يتعلق بالأجسام، في المعاني"، ثم ضرب لذلك قوله عز شأنه: {فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ} [التغابن: 5] ، كما أورد عددًا مِن العبارات التي توسَّع فيها العرب في استعمال هذه اللفظة؛ كقولهم:"ذُقت ما عنده"؛ أي: خَبَرْته، وقولهم:"أمر مستذاق"؛ أي: مجرَّب معلوم.
وإذا كان قد رُوي عن ابن الأعرابي (حسبما ورد في"لسان العرب") أن"الذَّوق يكون بالفم وبغير الفم"فليس المقصود، فيما أحسب، أن هذا هو معنى الكلمة في أصل وضعها، بل المراد أن هذا هو ما انتهى إليه الاستعمال؛ أي: إن العربيةَ قد انتهت إلى استخدام"الذَّوق"في المأكولات والمشروبات والملموسات والمسموعات والمرئيات والعقليات والوجدانيات، فأصبحنا نقول - كما جاء في ذلك المعجم: إن"ما نزل بالإنسان من مكروه فقد ذاقه"، و"ذُق هذه القوس"؛ أي: شد وترها لتخبُرَ مدى لينها أو شدتها، وهو ما عبر عنه الشماخ بن ضرار الشاعر المخضرم بقوله عن قوس رام صاحبها أن يجربها:
فذاق فأعطته مِن اللين جانبًا = كفى ولهًا أن يُغرِق النبلَ حاجز
ومنه قوله:"ذاق الرجل عُسيلة المرأة"، أو"ذاق فلان حنان أمه صافيًا"، أو"تذوق القصيدة أو اللوحة أو الأغنية الفلانية"، أو"اليُتم مُر المذاق"، أو"فلان ليس عنده ذوق"؛ أي: في سلوكه أو كلامه جلافة تصدم الناس وتنفِّرهم منه؛ لعدم مراعاته الآداب المتعارف عليها في التعامل بين الناس، ومن ذلك أيضًا قول الواحد منا: إنه لا يستطيع تذوق مادة الكيمياء أو الجغرافية أو كتابات المؤلف الفلاني أو أفلام الرعب أو المسرحيات المكتوبة بالعامية أو المدرسة السريالية أو التجريدية في التصوير ... إلخ، وهو ما يدلنا على مدى الاتساع الشديد الذي اتسعته هذه