الصفحة 66 من 84

جاء في كتاب"الشعر بين الفنون الجميلة"للدكتور نعيم اليافي أن النقد الأوربي الحديث في مرحلته الإبداعية كان يربط بين الشعر والرسم ربطًا محكمًا، مُعليًا من شأن العنصر التصويري في الفن الشعري على حساب العناصر الأخرى، أما في المرحلة الابتداعية التي تلت ذلك فقد جنح النقاد إلى التركيز على جوانب المشابهة بين الشعر والموسيقا وإهمال ما عداها من العناصر [1] ، والحق أن في كل من الموقفين مغالاة، ومحاباة أيضًا لأحد عناصر الإبداع الشعري على حساب سائر هذه العناصر، فضلًا عن أن الشعر ليس موسيقا فقط، بل موسيقا وتصويرًا وأشياء أخرى، وهذا الكلام لا يصدُقُ على الشعر وحده، بل يعم سائر فنون الأدب معه، وإن كانت هذه العناصر أكثر تركيزًا في الشعر منها في النثر، كما أنها لا تنفك عنه بحال، بخلاف النثر، الذي قد يَعْرَى عن بعض تلك العناصر في هذا السياق أو ذاك.

ونفتتح كلامنا بالعنصر الموسيقي، والموسيقا، كما نعرف، إيقاع منتظم: هكذا هي في الألحان المعزوفة، وكذلك هي في الأدب، بَيْدَ أنها في الألحان المعزوفة أصوات صادرة عن آلات النفخ والدقِّ والاحتكاك، كالناي والدفِّ والبيان والعود ... إلخ، أما في الأدب فالأصوات صادرة عن نطق الفم البشري لحروف الألفباء المعروفة، علاوة على أن الموسيقا التي تعزفها الآلات هي موسيقا صافية، على عكس الموسيقا الأدبية التي لا تنفكُّ عن الكلمات، وهو ما يترتب عليه أن الموسيقا المعزوفة عبارة عن أصوات خالية من المعاني، أما موسيقا الأدب فمرتبطة بالمعاني لا تنفصل عنها، كذلك فالموسيقا الصافية تؤثر فينا بنفسها تأثيرًا مباشرًا، على حين أن موسيقا الأدب لا تستطيع ذلك؛ إذ هي بطبيعتها مصاحبة للكلمات ومعانيها، فلا وجود لها مستقل عن هذه الكلمات، ومن ثم لا يمكن أن يكون لها تأثير منفصل عنها، إنها تفتح مغاليق النفس أمام معاني العبارات التي تصاحبها، وتخلع عليها حُلل القبول، وتقويها بما تشعُّه حولها من إيحاءات.

وتتخذ الموسيقا في الإبداعات الأدبية صورًا مختلفة: فلدينا في الشعر مثلًا الوزن والقافية، اللذان ظلا يجريان على طريقة واحدة تقريبًا قرونًا طوالًا، وقد يظن قوم أن هذه الصورة لا وجود لها البتة في الإبداعات النثرية، إلا أن هناك لونًا من السجع يسمى:"السجع المرصَّع"، ومُفاده أن تتساوى الفقرتان أو أكثر ما فيهما في الوزن والتقفية، كقول الحريري ...:"فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه" [2] ، ولا شك أن بين جملتي

(1) انظر الفصلين الأولين من الكتاب المذكور/ دار الجليل/ دمشق/ 1983 م.

(2) مجدي وهبة وكامل المهندس/ معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب/ ط 2/ مكتبة لبنان/ 1984 م/ 197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت