قام فريقٌ من أدعياء النقد في السنوات الأخيرة يدعو إلى الدخول في النص الأدبي مباشرة دون الاستعانة بأي شيء من خارجه، فالنص عندهم شيء مغلَق لا يقبل أن يُفسَّر بسواه، وهي دعوى عجيبة، وأرجح الظن أنهم يهدفون من خلالها إلى أن تكون الساحة خالية لهم ولأمثالهم كي يعيثوا في النص فسادًا كما يحلو لهم، ويُنطقوه بما لا يجنُّه، بل وبما لا يمكن أن يجنَّه من معنى، وبهذه الوسيلة الشيطانية يستطيعون، في حماية النقد الأدبي، أن يخلعوا أفكارهم الضالة المضلة على النص المسكين الذي لا يستطيع أن يقول لهم:"ثُلُث الثلاثة كم؟"بعد أن أخرسوا صاحبه من قبلُ بحجة أن الأديب ما إن يفرغ من إبداع عمله حتى يموت؛ أي: لا يعود من حقه على أي نحوٍ من الأنحاء أن يفتح فمه بكلمة اعتراض على السخف الذي به يهرفون!
وفي هذا السياق يحسُنُ أن أومئ إلى كتاب د. عبدالله الغذامي:"الخطيئة والتكفير"الذي تناول فيه أدبَ الشاعر السعودي حمزة شحاته، فكانت النتيجة أن خلع على الرجل المسكين، رحمه الله، عقائدَ وأفكارًا كنسيَّة لا تمتُّ إليه ولا يمتُّ إليها بحال؛ إذ زعم أن شحاتة كان يؤمن بأنه قد جاء إلى العالم ليفتديه من خطيئته الأصلية، وهو كلام جد خطير، فليست هناك أية علاقة البتة بين الإبداع الأدبي للرجل وبين تلك الفكرة الصليبية؛ لأن شِعره لا يخرج عن موضوعات الشعر العربي المعروفة من غزل ووصف ... وما إلى ذلك، لكن الكاتب المذكور قد التوى بهذا الشِّعر الواضح البسيط إلى متاهة"الخطيئة والتكفير"لتتسلَّل، على هذا النحو، عقائد الكنيسة إلى مهدِ الوحي المحمدي من خلال ذلك المنهج النقدي العجيب!
ونحن في الواقع لا نقول: إن النص لا يمكن أن يعنيَ، منذ أن يظهر إلى نور الوجود إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، إلا شيئًا واحدًا؛ إذ من الممكن جدًّا أن يرى فيه هذا الناقد أو ذلك القارئ ما لم يلحظه غيره، بل وما لم يتنبه إليه صاحبه وهو يؤلفه، بيد أننا في ذات الوقت ندعو ونلح في الدعوة إلى أن يظل العمل الأدبي في ذهن القارئ والناقد طوال الوقت: ينطلقانِ دائمًا منه، ويعودان دائمًا إليه، ويحرصان على احترام قواعد اللغة والجنس الأدبي والتقاليد الفنية التي ينتمي إليها، ولا يقحمان عليه ما ترفضه بنيته، أو يقسرانه على ما لا يقبل القول به ... وهكذا، ولا ريبَ أن الاستعانة بمعرفة كل ما يتعلق بالنص تمثِّل أحدَ أهم الشروط الكفيلة بتحقيق ذلك.
يقول د. محمد النويهي في كتابه"ثقافة الناقد الأدبي"، الذي قرأته في أول السبعينيات من القرن الماضي فأُعجبتُ به ولا أزال رغم مغالاته في بعض ما ينادي به:"أفيظن أحدنا أنه يستطيع أن يفهم الشعر الجاهلي صحيحًا دون إلمام حسَن بعلم الحيوان أو ببسائط الفلك؟ أم يظن أنه يستطيع أن يفهم شعر ابن الرومي صحيحًا دون إلمام حسَن"