الصفحة 20 من 84

بشتى حقائق علوم الأحياء والدراسات النفسانية؟ أما عن تقريري الأول عن فهم الشعر الجاهلي فما أظن أن في الشرق العربي كله مِن غير المتخصصين في علم الفلك عشرة يفهمون هذا البيت المشهور لامرئ القيس:

إذا ما الثريا في السماء تعرَّضَت = تعرُّض أثناء الوشاح المفصل

أو هذا البيت الجميل لأبي ذؤيب:

فورَدْن والعيُّوقُ مقعَدَ رابئِ الضْ = ضُرباء فوق النَّجْم لا يتتلَّعُ

وكيف يفهمونهما، وهم إن عرفوا هيئة الوشاح وكيف كانت تلبَسُه المرأة العربية فهم لا يعرفون نجوم الثريا وكيف تكون هيئتها قبل أن تصل السمت، ولم يرقبوها ساعة بعد ساعة تسير في مسلكها حتى تتوسط السماء ثم تنحدر من السمت، ولا يعرفون الجوزاء ونظمهما، وما شاهدوها تطلع، ولا شاهدوا العيُّوق يبرق فوقها البريق الأخاذ كأنه يرقبها واقفًا لها بالمرصاد؟ وما أظن في الشرق العربي كله مِن رجال الأدب والنقد خمسة يفهمون وصف علقمة للظَّلِيم، الذي يبدأ بقوله:

كأنها خاضبٌ زُعْرٌ قوادمُه = أجنى له باللِّوى شَرْيٌ وتنُّوم

وكيف يفهمونه، وهم لا يفهمون أبسط الحقائق عن حياة الحيوان ومواسم إنتاجه وهياجه الجنسي وما يعتري كثيرًا من أجناسه في هذه المواسم من تغييرات جسمانية، ولا يعرفون أحوال النعام خاصة وعلاقته بأنثاه وبفراخه وبيضه، ولم يقرؤوا وصفًا لرقصه البديع مع أنثاه؟" [1] ."

ثم يستمر الكاتب في حديثه عن أهمية إلمام الناقد الأدبي الذي يبغي دراسة ابن الرومي وشِعره بعدد من المعارف العلمية، مبينًا كيف أن العقاد قد أحسن أعظم الإحسان في الكتاب الذي ألَّفه عن ذلك الشاعر بفضل اطلاعه على عدد من المباحث البيولوجية والنفسية ساعده أيما مساعدة على التغلغل إلى أغوار شخصية الشاعر العباسي، ومن ثم على فَهم أشعاره فهمًا أدقَّ وأعمق مما فهمه غيره، وإن لم يعنِ هذا - كما جاء في كلامه - أن العقادَ قد أصاب في كل ما قال؛ إذ إن في دراسته أشياءَ لم يتنبَّهْ إلى قول العلم فيها، فجاء تفسيره لها خاطئًا حسبما قال، ويوصي كاتبُنا النقادَ بأن يهتموا بالاطلاع على البحوث العلمية إذا أرادوا النجاح في مهمتهم، مضيفًا أنه لا يطلب إليهم أن يعرفوها معرفة المتخصصين لها، فهو نفسه لا يستطيع هذا ولا يُطيقه، بل أن يُلموا بالكتابات العلمية المبسطة التي وُضعت للقارئ العادي بُغية تقريبها إلى عقله، وأن يأخذوا من هذه الكتابات ما يحتاجون إليه حسب الموضوع الذي يدرسونه [2] .

(1) د. محمد النويهي/ ثقافة الناقد الأدبي/ مكتبة الخانجي ودار الفكر/ 1969 م/ 70 - 72.

(2) المرجع السابق/ 72 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت