كثيرًا ما نقول: إن العمل الأدبي يتألف من شكل ومضمون، مما قد يوحي بأن من الممكن فصل كل منهما عن الآخر، بَيْدَ أن شكل العمل الأدبي في الواقع لا يمكن أن ينفصل عن مضمونه، وإن اضطررنا في حديثنا النظري إلى الكلام عن كل منهما وكأنه مستقل عن صاحبه، ويترتب على هذا أننا حين نتذوق العمل الأدبي فإنما نتذوقه كله لا شكله فحسب، وهذا من الوضوح بمكان، بَيْدَ أن بعض الدارسين الذين يكتبون في هذا الموضوع يتوهمون أو يحاولون أن يوهمونا أن التذوق، والنقد الصحيح من ثم، ينبغي أن ينصبَّ فقط على الناحية الشكلية؛ أي: الجانب الفني، من العمل الأدبي، بغض النظر عن مضمونه، ولنضرب مثلًا توضيحيًّا مِن عالم الطعام فنقول: إننا لا نستطيع تذوق طبق من الأطباق إلا إذا أكلناه، أما مجرد معرفة الطريقة الفنية التي تم بها إعداده فلا يوصلنا إلى شيء، وبنفس الطريقة نقول: إننا حين نقرأ قصيدة أو قصة مثلًا فإن تذوقنا لها ونقدنا إياها لا يقتصر على الجانب الفني وحده من موسيقا وتصوير وسرد حوار وعقدة وما إلى ذلك؛ لأن هذا الجانب الفني لا وجود له في الحقيقة بعيدًا عن مضمون القصيدة أو القصة، ترى كيف يمكن أن توجد عقدة القصة مثلًا دون أن تكون هناك أحداثٌ تُرتب على هذا النحو أو ذاك؟ وكيف يمكن أن تكون هناك موسيقا في القصيدة منفصلة عن الألفاظ وتنسيقها بطريقة معينة؟ وهذه الألفاظ بدورها كيف يمكن الفصل بينها وبين ما تشير إليه مِن أشياء أو تدل عليه من أفكار أو تعبِّر عنه من مشاعر؟ العمل الأدبي إذًا كِيان واحد، كتلة واحدة، وإن استلزم الأمر في المناقشات النظرية أن نتحدث عن شكله ومضمونه بطريقة قد يُفهم منها إمكانُ انفصال كل منهما عن صاحبه.
وعلى هذا، فإن التذوقَ الأدبي يشمل الجانبين معًا؛ أي: إنني حين أقرأ - على سبيل المثال - مسرحية أو مقالة أدبية فإن تذوقي لها لا يقف، ولا يمكن أن يقف، عند التشكيل اللغوي أو البناء الدارمي ... فحسب، بل يمتدُّ إلى كل شيء في العمل من لغة وموسيقا وبناء فني وأفكار وعواطف وخيالات وقيَم اجتماعية أو سياسية أو دينية ... وهلم جرًّا، ومِن هنا يراني القارئ دائمًا أقول وأكرر القول بأنه لا يوجد ذلك المنهج النقدي الذي يستطيع الزعم بأنه هو وحده المنهج الذي يمكننا من خلاله فهم النص الأدبي والتغلغل إلى كل أسراره الإبداعية، إن كل منهج من المناهج النقدية إنما يختص في العادة بجانب من العمل الأدبي، ومن هنا كان لا بد من الاستعانة بالمناهج النقدية جميعًا إذا أردنا أن يكون فهمنا وتذوقنا له أعمق، وإن لم يمنع هذا أن يعكف ناقد من النقاد في دراسة له، لهذا السبب أو ذاك، على جانب واحد أو اثنين مثلًا من ذلك العمل، لكن ذلك لا يعني، ولا ينبغي أن يعني، أن هذا هو كل ما هنالك مما يمكن أن يقال.